fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / أبنية العرب في الجاهلية

أبنية العرب في الجاهلية

تباينت منازل العرب واختلفت لعدّة عوامل، فكان منها البيوت المتنقلة ومنها المباني بالمدر (الطين المبلل) أو الحجر. وتختلف الأخيرة في طرزها المعمارية وفي سعتها ومادتها، ويكون اختلافها باختلاف مكانها وباختلاف مكانة صاحبها وثراءه.

وكان يطلق لفظة بيت على الصغير من البيوت والكبير منها. وهناك من قسّم بيوت العرب إلى ستّة.: قبّة من أدم (الجلد المدبوغ)، وخباء من صوف، ويجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنّة من حجر، وسوط من شعر.

وقال البعض بأنّ الخباء لا يسمّى بيت بل كلّ ما أكبر منه، وذلك أنّ الخباء يكون على عمودين أو ثلاثة، بينما البيت على ستّة أعمدة أو تسعة.

  • الخيمة:

كانت سعة الخيمة دلالة على منزلة صاحبها ومكانته وثرائه. ولذلك يتخر العزيز منهم بسعة بيته. وقد تقطع الخيمة بقاطع يقسمها إلى قسمين: قسم للنساء والسكن لا يدخله غريب.

وقسم للرجال والضيوف يجلسون ويأكلون فيه، ويكون بمثابة نادٍ ومضافة يخصص لضيوف صاحب البيت. ولسيد القبيلة خيمة كبيرة تكون هي «مضرب القبيلة»، يلتجئ إليه المحتاج ومن به حاجة إلى الإقراء أو أية حاجة أخرى. ويفتخر سيد القبيلة بمضربه ويتباهى به على أقرانه وتفتخر به القبيلة أيضاً.

وتضرب للسادات الأشراف والأغنياء قبب خاصة تكون من الأدم. فكان لرؤساء القبائل أصحاب العز قباب من أدم. كما كان من عادة ملوك الحيرة ضرب قباب من الأدم لأصحاب الجاه وسادات القبائل الكبار الذين يفدون عليهم. وتعتبر هذه القباب من أمارات التعظيم والتفخيم والامتياز والجاه عند الملوك. وقد اشتهرت «القباب الحُمر» المصنوعة من أدم يأوي إليها أصحاب الجاه واليسار. وكان للنابغة الذبياني قبّة حمراء من أدم تضرب له في سوق عكاظ، يأتيه فيها الشعراء ليعرضوا عليه شعرهم.

وتحيط بيوت الأعراب المتناثرة، وهي الخيام، بخيم الرئيس. فتكون ذلك مستوطنة بدوية، ومنها يتألف مجتمع البوادي. ويرتبط حجم هذه المستوطنات بسعة ماء المكان وبعدد بيوت القبيلة النازلة به. فإن كان الماء قليلاً، قلّ عدد خيامها، وإن كان غزيراً كثر عددها.

  • بيوت أهل المدر:

أمّا أهل القرى والمدن، أي أهل المدر، فهم المستقرون وشبه المستقرين. ويقيم هؤلاء في بيوت ثابتة أو شبه ثابتة. وهي تتفاوت بالطبع بتفاوت منازل ودرجات أصحابها. فهناك بيت يصنع من خيمة أو من أغصان شجر وعيدان وجريد (قضبان النخلة الطويلة المجردة من أغصانها). ويقال لهذا النوع من البيوت: «العُنّة». وقيل كذلك بأنّ العُنّة خيمة تتخذ من أغصان الشجر.

وهناك البيت المصنوع من طين ويسقف بجريد أو بأغصان أو بحصير يطين أيضاً. ويختلف حجم مثل هذا البيت باختلاف حجم العائلة. وقد يبنى البيت باللِبن (وهي قوالب مصنوعة ومجففة من الطين)، وتكون حالة أصحابها أحسن من حالة أصحاب بيوت الطين.

وكنتيجة لتيسر مواد البناء والوضع الاقتصادي الأفضل لعرب جنوب شبه الجزيرة.، فقد ظهرت عندهم مدن لا نجد لها مثيلاً في أنحاء أخرى من شبه جزيرة العرب. كانت مدناً كبيرة بيوتها ثابتة وبعضها يحوي على أكثر من طابق وتحيط به أسوار عالية وأبراج.

  • القرية والمدينة:

ويرجع علماء اللغة أصل كلمة قرية إلى كونها يمانية الأصل. يقولون أنّها كلّ مكان اتصلت به الأبنية واتخذ وضعاً فريداً. وهي أصغر حجماً من المدن رغم محاذاتها لها. وهي بغالبها غير مسورة، فإذا أحاطها سور تتحوّل إلى مدينة. فكان الجاهليون يرون أنّ المدن هي القرى الكبيرة المسورة.

ولفظ مدينة يقابلها في اللغة الآرامية، واحدة من اللغات السابقة على العربية، كلمة «مدنتو». وكان أهل اليمن يستخدمون عدّة ألفاظ للإشارة إلى المدينة، وأهمّها «هجر».، وهي لا تزال مستعملة في جنوب شبه الجزيرة العربية حتّى اليوم. وقال بعض اختصاصيي اللغة بأنّ كلمة «هجر» قد عنت القرية عند الحميريين.

وكانت العرب تسمي القرى باسم «مصانع»، لكونها مصنّعة. وقالوا أهل المصانع بمعنى أهل القرى. وقد أطلق العرب كذلك على أهل القرى والمدن اسم: «أخضر النواجذ».، لكونهم يأكلون البصل والبقول والخضراوات، وكان الأعراب لا يتناولون مثل هذه الخضراوات.

  • أبنية مدن العرب الكبرى:

ومن أعظم ما كان يوجد في المدن هو «هياكلها»، وتعني معابدها المسماة بأسماء الآلهة التي خصصت لها. وكانت المدن أيضاً تحوي على قصور الملوك وسادات القوم وأصحاب المنزلة منهم. وكانت قصور هؤلاء الأثرياء ضخمة ذات عدّة طوابق، بنيت بحجارة طبيعية اقتلعت من الصخور. وكانت على جدرانها الخارجية زخارف أبدع فنانو زمانهم نقشها وتلوينها. وانتشر كذلك الرخام الأبيض والملون وخاصة لتمييز النوافذ عن بقية البناء.

وكانت مصادر الحجارة تبعد أحياناً مسافات ليست بالقصيرة في حسابات تلك الأيام. فمدينة معين فيها حجارة جلبت من «جبل اللوذ» الذي يبعد عشرين كلم عن المدينة. وهناك حجارة لم توجد في مسافة أقرب من 80 كلم عم المدينة. ويُظنّ بأنّ تخطيط المدن كان في غالبه مستطيل الشكل. فمأرب بنيت على شكل مستطيل وكذلك معين وغربون وشبوة وحريب ويلط، وجميعها مدن عربية جنوبية. وأكثر المدن اليمنية بنيت في الوديان، وقد يعود سبب ذلك إلى خصوبة الأودية وتوفر الماء فيها بسهولة. وليس هذا عاماً، فمعين بنيت على تل أقامه المعينيون أنفسهم ارتفاعه خمسة عشر متراً عن سطح الأرض. وكان ذلك غالباً بالإضافة لمنعتها، لحمايتها من طغيان مياه السيول في الوادي في موسم المطر.

  • الأسوار:

إنّ مدن عرب اليمن كانت هي الأكثر تطوراً من الناحية العمرانية.، ولهذا فمن الطبيعي أن تكون موادها وتنظيمها مختلف بطريقة أكثر تمدناً عن مدن وقرى الشمال والوسط. فبعض مدن اليمن كانت محاطة بسور للدفاع عنها. وكان عرب الجنوب يسمون مثل هذه المدن: «هجرن» فيقال هجرن قرنو، أي مدينة قرنو وهي عاصمة معين.

وكانت المدن التي تبنى على الجبال والمرتفعات ذات أسوار أقلّ ارتفاعاً من تلك المبنية في السهول. وكان شكل الأسوار يختلف باختلاف المدينة.، فسور قرنو كان مستطيلاً: طول أحد ضلعيه أربعمئة متر، والآخر مئتان وخمسين متر. وكان على كلّ زاوية من زوايا المستطيل برج مراقبة. وغالب مدن العرب الجنوبيين كانت تحوي على بابين متقابلين، ووجد في بعض المدن أربعة أو خمسة أبواب. وكان العرب الجنوبيون يزخرفون هذه الأبواب وأطرها والجدران التي تضمها.

وكانت المدينة الوحيدة المسورة لدى غير عرب الجنوب هي الطائف في الحجاز. فكان جدارها يرقو لنسميه سوراً رغم الاختلاف على كونها مدينة أو قرية. فكان فيه مواضع يتحصن بها، وشاهد ذلك أنّ ثقيفاً تحصنت بهذه الأماكن يوم قاومت حصار المسلمين لها.، وتمكنت رغم اعتمادهم على أساليب الحصار المتقدمة بالنسبة لهم هزيمتهم برميهم بالسوائل المشتعلة وبعدها بالنبال. وأمّا غير الطائف فلم تكن هناك مدن مسورة، وحتّى مكة وهي واحدة من المدن التجارية شديدة الأهمية في شبه الجزيرة العربية، لم تكن مسورة.

إعداد: عروة درويش

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *