fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / إحراق الأرملة وطقس السُتي عن الهنود

إحراق الأرملة وطقس السُتي عن الهنود

ربّما سمع بعضنا عن هذه العادة «الدينية»، وربّما شاهدناها في أحد الأفلام الهندية القديمة. لكن المشكلة في مثل هذه القضايا هي أنّها تتضخم من أجل أن تصبح جاذبة. ولهذا علينا عند التطرق لها أن نكون حذرين في انتقاء مصادرنا أولاً. وفي ترتيب هذه المصادر والمقارنة بينها ثانياً. ثمّ تعريضها للنقد ثالثاً. لكن المؤكد قبل أن نبدأ: كان الهنود في حقبة معينة، وهي ليست ببعيدة نسبياً، يحرقون المرأة عندما يموت عنها زوجها.

ولم يقتصر طقس السُتي أو الساتي على الأرامل قبل إمبراطورية غوبتا. فكان ينتحر أيّ شخص مقرب أو مخلص للميت ذكراً كان أم أنثى. وكانت تسمى الممارسة في حينها «أنومارنا»، ويمارسها أصحاب العهود المختلفة مع الميت.

  • العودة للأسطورة:

إنّ السُتي «وتلفظ ديوناكري بالسنسكريتية» هي مؤنث كلمة ست السنسكريتية وتعني الحقيقة. والسُتي طقس ديني عند بعض الهندوس تقوم فيه المرأة المتوفى زوجها بإحراق نفسها طوعاً أو كراهية مع جثة زوجها.

ويعود أصل الكلمة لاسم الإلهة الهندوسية سُتي. وسُتي هي التي أحرقت نفسها لعدم تحملها الإهانة التي وجهها والدها «داكشا» إلى زوجها «شيفا». وتستخدم الكلمة أيضاً للإشارة إلى أنّ المرأة «عفيفة».

ولا توجد مصادر موثوقة عن تلك الممارسة قبل عصر إمبراطورية غوبتا في 400 قبل الميلاد. ونقرأ عن الكثير من القصص لرجال ونساء أحرقوا أنفسهم في ملحمة «المهابهارتا». لكن الكثير من هذه القصص أضيفت إلى قصص حقيقية لاحقاً، لذا يصعب تأريخها. ومن المهم أن نعلم بأنّ كلمة سُتي في المهابهارتا لا تعني حرق النفس. بل ينظر لحرق النفس بوصفه تعبيراً شديداً عن الحزن بسبب فقد الحبيب.

ولا يقتصر إحراق المرأة مع ذكرها على الهندوس القدامى، بل تشاركت فيه عدّة حضارات في المنطقة. فكما وصف الرحالة العربي أحمد بن فضلان، قام «الروس» بإحراق الجارية مع سيدها بعد وفاته. كما ذكر أحد مرافقي حملة الإسكندر الأكبر إلى الهند حادثة إحراق زوجتين لنفسيهما بعد وفاة زوجهما. وظنّ الإغريق بأنّ سبب تلك الممارسة هو وضع حدّ لتسميم الزوجات لأزواجهن كبار السن.

  • أنحرقها أم تحرق نفسها طواعية؟

في عام 1987 صدر قانون هندي يعيد ويشدد على تحريم ممارسة عادة «سُتي». وجاء فيه بأنّه يحرّم ويعاقب على: «الحرق أو الدفن حياً لأيّ أرملة مع جثة زوجها المتوفي، أو أيّ قريب آخر مع أيّ شيء متعلّق به. أو أيّ امرأة مع جثّة قريب بغضّ النظر عن إدعاء أن الحرق أو الدفن قد تمّ بموافقة من الأرملة أو المرأة».

إنّ الأصل في العادة أن تمارسها المرأة طواعية. وتروي الكثير من الحوادث قيام نساء بشكل اختياري بإحراق أنفسهن. وقد يكون مردّ ذلك هو الضغط الاجتماعي الذي قد يصل لمرحلة الإجبار، لكن في النهاية يبقى هذا الخيار قائماً. لكن هناك الكثير من الروايات عن حالات لم ترغب فيها النسوة بإحراق أنفسهن. فهناك روايات تصف إجبار المرأة على الجلوس على محرقة النعش قبل إشعالها مع ربطها لمنعها من الهرب. وهناك حالات تعطى فيها المرأة المخدرات. فيما تصف روايات أخرى أن الرجال كانوا يمنعون المرأة من الهرب من النيران بحرابهم الطويلة.

  • الشعائر الخاصة بالحرق:

في العادة، يتم الدفن خلال يوم من الوفاة، مما يجعل القرار حول سُتي سريعًا. وإذا مات الزوج في منطقة أخرى، تحرق الأرملة في وقت لاحق. يُنظر للسُتي على أنّه تجديد للزواج بين الأرملة وزوجها الميت. فبدلاً من ارتداء الأرملة لباس الحداد، ترتدي ملابس الزفاف أو أي ملابس جميلة أخرى، كما يرتدي الزوج ملابس الزفاف، وتُجرى مراسم الزفاف قبل أن يتم الحرق.

تختلف طقوس السُتي، ففي الغالب تستلقي المرأة بجوار جثة زوجها. لكن يمكن للمرأة أن تلقي بنفسها في النار أو أن تجلس على النعش وتحرق نفسها. هناك نصوص مكتوبة حول هذا الطقس تسمى بـ «ياللاغييام» تحتوي على أوامر مفصلة عمّن يمكن أن يقوم بتلك العادة وعن تنظيف المرأة ووضعها ولباسها.

وحتّى اليوم هناك بعض النساء في المجتمعات الهندوسية يضطجعن إلى جانب أزواجهن الموتى بشكل رمزي مع إقامة طقوس الزفاف والجنازة، دون القيام حقيقة بقتل المرأة. وفي بعض المجتمعات الهندوسية التي يدفن فيها الموتى، كان يتم دفن الأرملة حيّة مع زوجها في مراسم شبيهة جدّاً بمراسم السُتي.

  • إحصاءات:

ليس هناك سجلات يعتمد عليها لتحديد عدد من مات بسبب السُتي. تقدّر سجلات شركة الهند الشرقية البريطانية-فرع البنغال، مجموع حالات السُتي في الفترة بين عامي 1813 و1828 بأنّها 8135 حالة. ووفقًا لمصدر آخر يقدّر العدد بـ 7941 حالة في الفترة بين عامي 1815 و1828. أي بمعدّل 507 إلى 567 واقعة مسجلة كل عام خلال تلك الفترة.

كما يقدّر راجا رام موهان روي، أن عدد الحالات في البنغال يعادل عشرة أضعاف مجموع الحالات في باقي مناطق الهند. وقدر بنتينك في تقريره عام 1829، حالات السُتي بـ 420 حالة في تلك السنة في المناطق الجنوبية في البنغال وبيهار وأوريسا. و44 حالة في المناطق الشمالية في سهل الغانج الأعلى.

  • ألا تزال السُتي قائمة؟

ما زالت السُتي تمارس بشكل محدود جداً في الأماكن الريفية. وقدّرت بأربعين حالة تقريباً منذ استقلال الهند في عام 1947، أغلبها في منطقة شخاواتي في راجستان. إحدى أشهر تلك الحالات قامت بها روب كانوار في عام 1987، وكان عمرها 18 سنة. قامت بعدها السلطات في حكومة راجستان وتلتها حكومة الهند بوضع قانون لمنع السُتي.

وكذلك قامت «فيدياواتي» التي بلغت 35 عامًا في 18 أيار 2006 بقتل نفسها بالسُتي. حيث قفزت في محرقة زوجها في قرية راري بوجورغ في إقليم فاتحبور. وكذلك فعلت جاناكراني التي بلغت 40 عاماً في 21 آب 2006 مع جثة زوجها في مقاطعة ساغار.

  • المنع:

منعت عادة السُتي في الكثير من الأزمان، وتمّ التحايل عليها في أزمان أخرى. ففي عصر سيطرة المغول على الهند أمر «أكبر» بوجوب الحصول على إذن قبل ممارسة السُتي في محاولة للماطلة في الأمر. ثمّ في عهد أورنجزيب تم تحريم العادة بالكامل.

وفي أيام الاستعمار الكولونيالي الأوربي، والبريطاني خصوصاً، استخدمت العادة كمبرر لاستعمار «الهمج» وتقويمهم وتمدينهم. ففي البدء لم يهتم الاستعمار بالعادات المحلية ولم يتدخل فيها، لكن تغيّرت المزاجات وتمّ اعتماد الدين كوسيلة نشر إيديولوجي. فبدأت الحملات لتنصير الهنود ومعها منع الممارسات التي تتعارض مع تعليمات الكنيسة. واستمرت بين أخذ ورد حتّى تأكيد قرار المنع من لندن في عام 1832. وبقيت الممارسة قانونية في الولايات الأميرية مثل جايبور وجزيرة بالي حتى عام 1905 عندما منعها الاستعمار الهولندي.

ومنذ استقلال الهند والسلطات تحارب العادة، إلى أنّ كان عام 1987 حين تمّ التشديد بشكل كبير على المنع. حتّى أنّ القانون ساوى بعد تحوّل مشاهدة الحرق لتجارة يدفع ثمنها بين من يشاهد أو يحرض أو يسهل الفعل.

إعداد: عروة درويش

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *