fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / الألوان والأديان القديمة

الألوان والأديان القديمة

الألوان، تلك التي تتشكل بفعل اختلاف أطوال الأمواج الضوئية التي لا يتذكر أحدنا ماهيتها عندما ينبهر بالألوان. لكنّ ذات الألوان حازت في القديم على قدسية معينة، سواء بارتباطها بشيء مقدس، أو بتقديسها ما ترتبط به.

كان الإنسان يولي اهتمامًا للرمزية والغموض والسحر، وكان استخدامه للألوان يمليه عليه الصوفيون والفلاسفة والكهنة. أما الواضح والمميّز فهو أن لوحةَ الألوان التي استخدمها الإنسان القديم كانت بسيطة ومباشرة. ولا يكاد يوجد اختلاف في درجة اللون المستخدم في أي مكان في العالم القديم. فقد تمثلت الألوان المستخدمة في: الأحمر والذهبي والأصفر والأخضر والأزرق والأرجواني والأبيض والأسود.

  • الألوان والإنسان:

قد يندهش القارئ من القول المقتبس عن الرسام البريطاني البارز السير ويليام بيتشي تعليقًا على الزخارف الإغريقية المتعددة الألوان.

إذ يقول: «نلاحظ أنّ استخدام ألوان متشابهة في عناصر متشابهة في الزخرفة والنحت.، لا يبدو نتيجة أيّ نزوة عارضة أو خيال طارئ، لكنّه نتيجة نظام راسخ في العموم. لأنّ ألوان الأجزاء المتعددة لا تبدو متنوعة من ناحية المواد المستخدمة في أيّ من المثالين المعروفين بالنسبة لنا… ويصعب أن نشك في أنّهم خصصوا لوناً معيناً لتلوين كلّ جزء من الأجزاء المختلفة للمباني وفقاً للإجماع العام.، أو تبعاً لأصول الحرفة المتفق عليها».

لا أبالغ إذا قلت إن الإنسان القديم أحاط نفسه بالألوان من كل جانب. كلّ الحضارات منذ بداية وجود الإنسان عبدت الشمس، ومن الشمس جاء الضوء واللون. وفي كتابات «الأوبانيشاد» الهندوسية التي تعود إلى قرونٍ قبل الميلاد، يوصف الإنسان على النحو التالي.: «يوجد في جسم الإنسان أوردة يطلق عليها هيتا، وهي صغيرة في مثل حجم شعرة مقسمة آلاف المرات، تمتلئ باللون الأبيض والأزرق والأصفر والأخضر والأحمر» وتقول أيضاً: « إن تماثل الشكل، وجمال اللون، وقوة وصلابة الماس تشكل معًا الكمال الجسدي».

ونصح والد شفيتاكيتو ولده بخفة ظلٍّ فقال: «الإنسان يشبه غطاء الوسادة. قد يكون لون غطاء إحدى الوسادات أحمر، ولون غطاء الثانية أزرق، ولون غطاء الثالثة أسود، لكنّها كلها تحتوي على القطن نفسه. وكذلك الحال مع البشر، فأحدهم جميل والآخر أسود والثالث قديس والرابع شرير، لكنّ الإله موجود بداخلهم جميعاً».

  • جهات العالم الأربع:

على صعيد استجابة البشر للألوان، من الغريب ملاحظة أن الإنسان تصور أن للأرض جهات أو اتجاهات أربعة لكلٍّ منها لون رمزي. ومرة أخرى لا يتعلق الأمر بصورة جوهرية بالجمال، لكنه يتعلق بالمعنى السحري والرمزي. ارتدى الفرعون المصري تاجًا أبيض اللون رمزًا لسيطرته على مصر العليا، وتاجًا أحمر اللون رمزًا لسيطرته على مصر السفلى.

كانت شعوب التبت تتصور العالم جبلًا شاهق الارتفاع، وأطلق المغول على هذا الجبل اسم سومور. كانوا يعتقدون أنه في بداية الزمان نمت الأرض وارتفعت قمتها عاليًا على نحو لا يمكن للإنسان بلوغه. وهكذا وفَّرت مكانَ إقامة مناسبًا للآلهة. وتقول إحدى الأساطير القديمة إنّه: « في البداية، لم يكن يوجد سوى الماء وضفدع. ونظر ذلك الضفدع إلى الماء، وحوَّل الرب ذلك الحيوان وخلق العالم على بطنه. وجعل على كل قدم من أقدامه قارة، لكنه أنشأ على سُرَّة ذلك الضفدع جبل سومور. وعلى قمّة هذا الجبل يوجد النجم القطبي».

  • الآلهة:

كل الأديان، البدائية أو غيرها، كانت تتصور آلهتها ذات ألوان براقة. لأن الآلهة تسكن دائمًا في السماء التي منها تسطع الشمس والقمر والنجوم وقوس قزح (وعادةً كانت آلهة الأرض فانية أو شريرة). كان الإله هو الشمس نفسها في أغلب الأحيان. ودعونا نرى بعض الأمثلة المختصرة:

في مصر، كانت الشمس نفسها هي رع وأوزوريس (كانت إيزيس هي القمر). وقد يكون رمزها هو الذهبي أو الأصفر أو الأحمر. وفي أجزاء من الهند يقال إن لون الشمس كان الأزرق. وفي اليونان القديمة كان الأصفر أو الذهبي مخصصًا للإلهة أثينا. وكان معبدها البارثينون في مدينة أثينا، وكان اللون الأحمر مخصصًا للإلهة سيريس، إلهة الحصاد. وكان ديونيسوس إله الخمر ذا وجه أحمر، وكان لون إيريس هو لون قوس قزح.

وفي الهند، كان لون بوذا هو الأصفر أو الذهبي. ووفقًا للنصوص المقدسة البوذية. لم يكد يطأ بقدمه اليمنى بوابة المدينة حتى انبعثت من جسده أشعة لستَّة ألوان مختلفة. وانتشرت في كل حدب وصوب فوق القصور والأبراج وزينتها بما يشبه ألوان إحدى اللوحات. أمّا إذا تفكر بوذا في خطايا البشر، فإنّه حينئذ يرتدي اللون الأحمر. وتقول المصادر البوذية: «كان الرجل المبارك الذي يرتدي رداءً من قماش أحمر مزدوج، ويربط نطاقه على خصره ويلقي بردائه العلوي على كتفه اليمنى.، يذهب إلى هناك ويجلس، ويظلّ وحيداً لبرهة ويبدأ في التأمل».

  • في الأديان الإبراهيمية:

كان لون لله الأب أزرق وفقًا لسِفر الخروج.: «ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شِبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف تبدو كذات السماء في النقاوة». وتقول الأسطورة إن الوصايا العشر كانت مكتوبة على حجر عقيق أزرق، وإنّ العقيق الأحمر كان على مقدمة سفينة نوح.

ويشبِّه حزقيالُ الربَّ بقوس قزح فيقول: «ومثل منظر قوس قزح في الغيم في يومٍ ماطر. هكذا كان منظر النور من حوله. كان هذا هو مظهر ما يشبه مجد الرب». ويستطرد حزقيال فيقول: وفوق المقبب الذي على رءوسها شبه عرش كمنظر حجر العقيق الأزرق، وعلى شبه العرش شبه منظر إنسان عليه من فوق. ورأيت مثل منظر النحاس اللامع (لون الكهرمان)».

ويرتبط اللون الأخضر الزمردي بالمسيح. ووفقًا للقديس يوحنا اللاهوتي: «.وكان الجالس في المنظر شبه عرش من حجر اليشب والعقيق، وكان يوجد قوس قزح حول العرش يشبه الزمرد». واللون الأزرق بين المسيحيين يرتبط غالبًا بمريم العذراء.

إنّ قصّة التاريخ القديم للألوان يمكن أن تستمر إلى ما لانهاية تقريباً. ويمكن للقارئ المهتم أن يتبحّر فيها أكثر. لكنّ الألوان في تلك الصيغة البسيطة تستمر في سرد الدور الرمزي والعملي في حياة الإنسان في الماضي.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

رمزية الألوان – فيبر بيرين – 1988

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *