fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / حضارات / الأيوبيون والأثر الدمشقي لحكمهم

الأيوبيون والأثر الدمشقي لحكمهم

لا يمكن أن نستعيد لحظة معينة من الماضي البعيد أو القريب إلا ونجدها مقترنة بموضع آخر. ولا يمكن استعادة لحظة تاريخ مجردة معزولة عن المكان الذي احتواها أو عن السياق الزمني الذي ضمّها. فما الأحداث وتواليها إلّا نتاج عوامل اجتماعية-اقتصادية غير مباشرة تصوغ المجتمعات وتطورها. وأذكر هنا مقولة قديمة ربّما تعبّر عن هذا أفضل مني: «الزمان مكان سائل، لكنّ المكان زمان متجمد أيضاً».

وعندما ننظر إلى مدينة كدمشق فنحن نعلم بأنّها نالت قسطاً كبيراً من الأحداث لأسباب لا يمكن إجمالها في مكان واحد. وما إن نضع مجهرنا التاريخي فوق دمشق حتّى نرى آثار الجيوش والحكّام الذين عبروها، والدول التي تعاقبت عليها.

لكن هل لعاقل أن يعتقد بأنّ الدول تمرّ دون أن تترك أثرها؟. وتتفاوت هذه الآثار تبعاً لتطوّر هذه الدول وللفترات الزمنية التي بقيت سطوتها فيها قائمة. وكذلك تبعاً للنظام الاقتصادي-الاجتماعي التي إمّا غيّرته أو تماهت معه وأخذت شكله. والأيوبيون حلقة واحدة في سلسلة التاريخ الطويلة لهذه المدينة. ولهذا علينا أن نثبّت مجهرنا لبعض الوقت على أحد أهم آثارهم التي بقيت رغم زوالهم، إنّها مدارسهم.

وربّما علينا أن نبدأ بمقدمة بسيطة مفيدة عن الأيوبيين. فالأيوبيون هم أسرة ذات أصول كرديّة جاءت من تكريت إلى بلاد الشام في حاشية الأتبك عماد الدين الزنكي. وأبرز قادتهم بلا شك ممّن ظهروا على مسرح الأحداث في ذلك الوقت هو الشهير صلاح الدين الأيوبي.

والدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين وصلت إلى أوج قوتها وازدهارها. وقد بدأ صلاح الدين حياته السياسية كقائد عسكري متوسط تمّ إرساله إلى مصر ليساعد حكامها الفاطميين في التصدي للخطر الصليبي. (ثمّ انقلب على الدولة الفاطمية وأسقطها، وهو الأمر الذي قد نتطرّق له لوحده في مقال آخر). ثمّ تدرّج صلاح الدين بالمناصب حتّى أصبح أبرز الأيوبيين على مرّ العصور.

  • السمات العامّة للطراز العمراني الأيوبي

تباطأ التطور في التقاليد الفنية في العالم الإسلامي بدءاً من العصر السلجوقي، ويظهر ذلك في العمارة بشكل خاص. وظهرت أنواع مدنيّة جديدة تمثلت أكثر ما تمثلت في البيمارستانات والحمامات والقيساريات. ومع ذلك فقد بقي للضريح والمدرسة من النوع الديني مركز الصدارة. وقد وصلت بها الصدارة لتسبق حتى المسـجد الذي بات يتأثر أو يتبع طرزها المعماري في أغلب الأحيان. لكنّ العمارة الأيوبية، وهذا شيء تثاب عليه، استطاعت المزج بين تقاليد كثيرة. فجمعت بين تقاليد مصر المحلية من طولونية وفاطمية، وبين تقاليد العراق والشام والمغرب. ومن هذا المزج الفني المتنوع للعمارة المصرية-الشامية نتج طراز تمثّل في الطراز الأيوبي. ويخطأ من يعتقد بأنّ مثل هذا المزج غريب على التاريخ أو يدلّ على قلّة في الإبداع. فالحضارات ولأنّها لا تخلق من العدم، تحمل دوماً في ثمارها بذار حضارات أخرى. وهذه البذار تظهر أكثر ما تظهر في التنظيم المديني وفي المعبرات الأخرى مثل الفنون والفلسفة والتقدّم الفكري.

تتميّز العمائر الأيوبية بشكل رئيسي:

    • قوتها حيث أن أبنيتها كانت من الحجر. وسبب ذلك توفّر المادة في المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم.

    • الدقّة في تخطيط البناء.

    • أسقف العمائر الأيوبية كان على شكل قبب مفصصة. فكانت تحوّل سطح البناء ذي الزوايا إلى شكل مدوّر تستند عليه القبّة. وقد استخدموا كذلك أنواعاً من القبب انتشرت وشاعت بشكل كبير منذ العصر العباسي.

    • العناية الخاصة بأبواب الأبنية التي كانت مؤلفة غالباً من إيوان مسقوف بمقرنصات حجرية بديعة.

  • عدم الإسراف في الزخرفة والتي تنحصر في بدايات المباني أو المحاريب والمنابر.

  • ما شاع استخدامه في المدارس الأيوبية:

كانت المدارس الأيوبية شبيهة بالبيوت. فتكونت من صـحن محاط بالأواوين (جمع إيوان)، وتوزعت بينها الغرف. وكان يتبع لها مسجد يبنى في الطرق القبلي منها، وأحياناً تكون مزودة بمئذنة.

ومن التقاليد الأيوبية الشائعة أيضاً وخصوصاً في دمشق، عملية الدمج بين قبّة التربة (المقبرة) والمصلى. فيجمع بين التربة والمسجد أو التربة والمدرسة، وتكون نقطة الضمّ بينهما عند زاوية الشارع كما في «المدرسة الركنية». ويتجلى الحلّ الأكثر تكاملاً في وضع التربة والمدرسة على جانبي البوابة والدهليز الذي يليها. ويبدو بأنّه ليس من قبيل الصدفة أن تكون التربة دوماً على يمين المدخل.

وفي أواخر عهد الأيوبيين، وهو المرتبط بانحطاط الدولة، يبدو لنا واضحاً نقص الاهتمام بالتناظر المنتظم. ولدينا دليل «المدرسة الماردنية» التي لا تتقيّد بالتناظر في واجهتها. كما نلاحظ أن هناك تباين شديد في سعة كلّ من إيواناتها الثلاثة والصـحن. ونرى في «المدرسة الصابونية» الموجودة في منطقة الجسر الأبيض في دمشق مثالاً آخر على التجاوزات.

  • المدارس الأيوبية:

في منطقة الصالحية في دمشق توجد أكثر المشيدات الأيوبية من بيمارستانات وجوامع ومدارس. وهناك شارع فيها كان يسمّى «شارع المدارس» وبات اليوم يحمل الاسم الشعبي «سوق الجمعة». وقد سمي هذا الشارع كذلك لكثرة المدارس فيه. وسوق الجمعة هذا حيّ شعبي فيه الكثير من المحلات التجارية والبيوت السكنية التي غطت على هذه المدارس. وفي بعض الأحيان كان يتم استغلالها حيث قام بعض السكان في تلك المنطقة بالبناء على أسطحتها وضم بعض أجزائها إلى البيوت. فغطوا جدران المدارس الحجرية بطبقات من الإسمنت واستخدموا أجزاء منها لتمديد شبكات المياه الآسنة «المالحة». فتجمعت عليها طبقات من الكمخ التي أخفت معالمها وشوهتها.

لكن أجري في بعض الأحيان وبشكل حديث نسبياً عمليات ترميم وصيانة على هذه المدارس. فظهرت بعدها المعالم الأساسية لهذه الأبنية. ومن أهم المدارس المملوكية-الأيوبية في شارع المدارس:

    • المدرسة الأتابكية: تنسب لواقفتها تركان خاتون ابنة الملك عز الدين مسعود بن زنكي وزوجة الملك الأشرف موسى الأيوبي. ومن مميزاتها سماتها الفنية التي تكسر رتابة إيقاع السطوح الملساء.

  • المدرسة الجهاركسية: أنشأها الأمير صارم الدين وهو صاحب بانياس وشقيف. ويميزها خلوها من العناصر الزخرفية والتقشف في بناءها.

وهناك في منطقة ركن الدين مدارس أيوبية أيضاً:

    • المدرسة الركنية: بناها الأمير ركن الدين، الأخ غير الشقيق للملك العادل، ويحمل الحي اسم الأمير والمدرسة. ولا وجود للمدرسة اليوم فقد زالت، لكن بقيت التربة والجامع المعروف بجامع الركنية. ومن أهم ميزات قبّة التربة نوافذها الصمّاء المقوسنة وألوحها الحجرية المقوسنة.

  • المدرسة البدرية: وتوجد في ساحة الميسات وتعرف اليوم بتربة البدري. أنشأها الأمير بدر الدين حسن بن الداية المعروف بلالا أو لؤلؤ «وتعني المؤدب»، شقيق السلطان نور الدين الزنكي بالرضاع. ومن هنا جاءت تسميته ابن الداية. ومن أبرز مميزاتها المعمارية قبتها المحززة التي ترتاح إلى قبة مضلعة.

وفي الختام، نذكر بأنّ الحقبة الأيوبية لم تُدخل تغييرات ملموسة في النظام الاجتماعي-الاقتصادي للمناطق التي حكمتها. فكانت تستبدل الأشـخاص الأقدم بأشـخاص جدد فقط، ولم تستبدل لا المناهج ولا الأنظمة. فكان الأمراء يأخذون الإقطاعات من السلطان ويديرونها لصالحهم ويدفعون عنها له. وقد نتطرق في مكانٍ آخر للبنية التفصيلية للنظام الإقطاعي في الدولة الأيوبية. فقد كانت له ميزات من أبرزها دعم مسيرين مرتبطين بشكل مباشر بهم على حساب الوجهاء الريفيين الأقدم.

وبعد أن أسقط الأيوبيون الدولة الفاطمية في مصر والتي كانت تعتمد الخطاب الشيعي، تبنوا الخطاب العباسي السني كمعبّر إيديولوجي سياسي عنهم. وبقيت دولة القلاع ذات الخطاب الشيعي قائمة في سوريا بعد فشل صلاح الدين بإسقاطها، فتصالح معها لمحاربة الصليبيين معاً. لكن بعد أن تصالح الأيوبيون والصليبيون، تركوا دولة القلاع تواجه الصليبيين وحدها، وبشكل خاص في أنطاكية واللاذقية وبانياس. وقد أدّى هذا إضافة إلى عوامل أخرى، إلى عدم خوف الأيوبيين من تأثير دولة القلاع على المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

إعداد: عروة درويش

الصور:

صورة الغلاف: ضريح صلاح الدين في دمشق.

الصورة الأولى: حجر وقف جامع الركنية.

الصورة الثانية: مسجد ومدرسة الركنية

الصورة الثالثة: المدرسة الركنية – صورة مأخوذة من الدراسة في المرجع.

الصورة الرابعة: ضريح صلاح الدين في دمشق

أهمّ المراجع:

أحمد يوسف، الآثار والمشيدات الأيوبيّة في دمشق، دراسة صادرة عن جامعة دمشق عام 2010

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *