fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / الإسكندر المقدوني والعرب

الإسكندر المقدوني والعرب

لطالما أعجبت بالإسكندر كبطل تاريخي سطّر الملاحم. ولطالما أعجبت بالمسلسلات والأفلام التي تناولت سيرته، الوثائقية منها والدرامية. لكنّ الإسكندر مرّ من البلاد التي سكنت فيها مجموعات عرقية كثيرة، ومنها العرب. العرب الذين شاءت الصدف الوراثية أن أصبح منهم، والأهم أن أكتب بلغتهم. أثار هذا السؤال فيّ الفضول المعرفي لأحاول أن استكشف أكثر عن علاقة الإسكندر واليونان عموماً بالعرب.

أقدم من سجّل اسمه من اليونان في سجل العلاقات العربية اليونانية هو «الإسكندر الأكبر» الذي عاش ما بين 356 و323 قبل الميلاد. سيطر هذا الرجل الجبار غريب الأطوار الذي توفي عن سنّ 33 عاماً على أراضٍ واسعة. وأسس إمبراطورية شاسعة الأرجاء ذات منافذ على البحر الأحمر والخليج العربي. وبعد أن استولى على مصر والهلال الخصيب، فكّر بالسيطرة على شبه جزيرة العرب وجعلها جزءاً من امبراطوريته. ليتم له الوصول إلى سواحل المحيط الهندي والسيطرة على تجارة إفريقيا وآسية.

  • لماذا يريد الإسكندر شبه جزيرة العرب

شرح المؤرخ آريان «95 – 175 ميلادي» الأسباب التي حملت الإسكندر على التفكير في الاستيلاء على جزيرة العرب وعلى بحارها. فذكر أنّ هنالك من يزعم أنّ الإسكندر جهّز تلك الحملة البحرية لأنّ معظم القبائل العربية لم ترسل إليه رسلاً للترحيب به فاغتاظ لذلك. لكنّ أريان يرى بأنّ السبب الحقيقي الذي حمل الإسكندر على إرسال هذه الحملة يكمن في رغبته في اكتساب أراضٍ جديدة.

كما أورد آريان قصّة أخرى خلاصتها أنّ العرب كانوا يتعبدون لآلهين: أورانوس وديونيسوس وجميع الكواكب الخاصة بالشمس. فلمّا سمع الإسكندر بذلك أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب. كما ذكر قصّة أنّ الإسكندر سمع ببخور بلاد العرب وطيبها وحاصلاتها الثمينة وبسعة سواحلها وبالكثير ممّا يثير شهيّة فاتح. فهيّجت فيه تلك الأخبار شوقاً للاستيلاء عليها، فسيّر إليها حملة بحرية للطواف بسواحلها إلى ملتقاها بخليج العقبة. ويبدو لنا بأنّ السبب الأخير هو السبب الأكثر منطقية الذي قد يدفع الإسكندر لمحاولة الاستيلاء عليها. ولم يكن الإسكندر السبّاق إلى التفكير في الاستيلاء على شبه جزيرة العرب، فقد سرى هذا المنطق عند ملوك آشور إلى «دلمون». واستمر هذا المنطق سائداً حتّى مجيء «قيصر» وكتابته إلى ملوك اليمن.

  • التحرّك نحو الهدف:

أرسل الإسكندر بعثات استطلاعية تتسقط له المعلومات اللازمة لإرسال أسطول كبير يستولي على سواحل شبه الجزيرة. فيتجه من الخليج فيعقب سواحلها ثم يدخل البحر الأحمر إلى خليج العقبة حيث ينفذ إلى مصر. وقد هيّأ الأسطول فجاء بالخشب اللازم من فينيقية وقبرص. واتخذ من بابل قاعدة للإشراف على تنفيذ الخطة. وكلّف الإسكندر القائد «أرخياس» بالاستكشاف والسير باتجاه الساحل فبلغ «جزيرة» سمّاها آريان تيلوس هي البحرين اليوم. وتجاوزه القائد «أندروستينيس» فبلغ مكاناً قصياً لم يصله أحدٌ من القوّاد قبله. ويظنّ الباحثون بأنّه لم يتجاوز موضع «رأس الخيمة».

ويصف آريان جزيرة تيلوس «البحرين» بأنّها جزيرة واسعة وعرة لا يوجد بها شجر وافر. غير أنّها خصبة ويمكن غرسها بالأشجار المثمرة كما يمكن زرعها بنباتات أخرى. وقد وصل إلى علم الإسكندر وجود جزيرة أخرى غير بعيدة عن مصبّ نهر الفرات سموها «إيكاروس». وهي صغيرة نوعاً ما ولكنّها ذات شجر من كل نوع وبها معبد للإله أرتميس. ويعيش الناس حوله وتسرح فيها الحيوانات دون أن يمسها أحد بسوء لأنّها في حمى المعبد.

  • البحر أضمن:

يظهر أنّ الإسكندر عرف الصعوبة في السيطرة على هذه المواضع من البر. من مقاومة القبائل وصعوبة قطع الصحاري وقلّة المياه، فعزم على تحقيق المشروع من البحر. فكلّف قائده «هيرون» بمتابعة السواحل ودراسة أحوال سكانها ومواضع المرافئ وأماكن المياه والمنابت ومواضع الشجر. وكذلك عادات العرب وأحوالهم لتكون جيوشه على بينة من أمرها عندما سيقدم أسطوله على تحقيق هذا الأمر الخطير.

أعدّ الإسكندر كل ما يلزم إعداده لهذا الغزو، لكنّ الموت المفاجئ وهو ما يزال في مقتبل العمر أوقف المشروع. ولم يتابع قواده بعده وهم الذين تنافسوا فيما بينهم هذا المشروع فماتت الخطّة بموته. ويرى الباحثون أنّ الإسكندر لم يقصد فتح شبه جزيرة العرب. ولكن كان يرغب بالاستيلاء على بعض الموانئ والمواضع الهامة على السواحل. وبذلك يكون قد أدرك الغايات التي قصدها من هذا الفتح.

  • الإسكندر وعرب غزّة:

لما أراد الإسكندر احتلال «غزّة» في طريقه إلى مصر، قاومت المدينة ودافع عنها رجل سمّاه آريان «باتس Batis». وقد استعان الأخير بجيوش عربية قاومت مقاومة شديدة اضطرت الإسكندر إلى نصب آلات القتال. إلّا أنّ العرب هاجموها لإحراقها كما هاجموا المقدونيين الذين كانوا متحصنين في مراكز القيادة. وكادوا ينهزمون بعد مغادرتهم مواقعهم لو لم يأتهم الإسكندر بمساعدات قوية في الوقت المناسب. وقد أصيب بجراح وظلّت المدينة تقاومه خمسة شهور. ويذكر هيرودوتس أنّ المنطقة الواقعة من غزّة إلى موضع «جينيسوس» كانت مأهولة بالقبائل العربية. وقال بأنّ ملكاً عربياً قد حكمها لا يعرف اسمه.

ويرى البعض بأنّ «باتس» هذا هو رجل عربي يدعى «باطش». ويرون بأنّ سكان غزة كانوا من العرب منذ زمن طويل قبل الميلاد. وأنّها كانت نهاية طرق القوافل البرية التجارية التي كان يسلكها التجار العرب القادمون من اليمن والحجاز ومن مواضع أخرى. ولما فتح الإسكندر المدينة بعد الحصار الشاق، وجد اليونان فيها مقادير كبيرة من المر واللبان حاصلات العرب الجنوبية فاستولوا عليها. فخسر التجار العرب بذلك خسارة فادحة.

  • بخور العرب:

نرى في بعض المواضع خبراً يفيد بأنّ الإسكندر أخذ من أرض العرب المنتجة للبخور كمية لإحراقها للآلهة تقرباً إليها. لكن كيف لنا تصديق هذه الرواية وجيوش الإسكندر لم تتمكن من دخول شبه جزيرة العرب. ولهذا نرى بأنّه من الممكن أن يكون حكامها قد أرسلوا له البخور هدية. أو ربّما ضريبة من التجار العرب في مقابل السماح لهم بالإتجار في الأسواق التي استولى عليها اليونان.

ومن المؤكد بأنّ الإسكندر قد عرف أحوال أهل شبه جزيرة العرب، وبالتالي عرف أنّ ثرائهم ليس من منتجات وحاصلات أرضهم. ولا بدّ بأنّ سببه اتصالهم بأسواق إفريقيا والهند وماوراء الهند. ولهذا فكّر في الاستيلاء على الموانئ والسواحل كوسيلة أجدى من الغزو البري. وقد ورد في بعض المواضع بأنّ العرب قدموا الأسلحة والملابس إلى الجيش المقدوني. وكذلك ذكر بأنّ من العرب حارب الإسكندر لوجودهم في جيش دارا أو داريوس.

إنّ فتوحات الإسكندر ليست مجرّد حدث سياسي، إنما هي فصل من فصول كتاب التاريخ البشري. وفيه نقرأ عن التقاء عالم شرق المتوسط مع غربه، وما لهذا اللقاء من تأثير. والعرب، كغيرهم من سكان المناطق التي تعرضت لغزوات الإسكندر، تأثروا به وأثروا فيه.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، نسخة 12 جزء

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *