fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / حضارات / التديّن عند الأزتيك أخطأ ولا تكن قديساً

التديّن عند الأزتيك أخطأ ولا تكن قديساً

كنت اشتري مع زميلتي في المكتب بعض الحلويات من أجل العيد الماضي، وقد اشترينا كميات تفوق حاجتنا وحاجة ضيوفنا بكثير. وعندما انتهى العيد وضعنا ما تبقى ببساطة في صندوق خشبي على المنصّة الفاصلة بين مكتبينا. وكنت كلّما مررت بهذا الصندوق لا أتوقف عن الأكل حتّى تصيبني «قشعريرة السكر». وكلّما فعلت ذلك هلعت وهرعت إلى صديقتي وأخبرتها بانزعاج بأنني لا أستطيع التوقّف وبأنني أشعر بوهن عزيمتي ويحبطني ذلك.

وفي أحد الأيام مررت أمام الصندوق وإذا به فارغ. فقالت لي صديقتي وهي ترقبني: «لقد أخذته البارحة إلى الخارج ووزعت الحلويات على الأطفال». ثمّ زال شعوري بالإثم والذنب على الفور على إثر ذلك.

  • تديّن أخلاقي بسمات مختلفة

يمكنني عبر هذه القصّة البسيطة أن أميّز بشكل مقارن بين آثار التديّن وفقاً للنمط «الإبراهيمي-الغربي» و «الغربي-المعاصر» على الأخلاق. وبين النمط الذي ساد لدى جماعة الأزتيك. والأزتيك لمن لم تواته الفرصة للاطلاع عليهم كانوا حضارة أوسط-أمريكية ازدهرت في المكسيك في الحقبة ما بعد-الكلاسيكية بين 1300 و1521. وكانت مؤلفة من عدّة مجموعات عرقية. وهيمنت على أجزاء كبيرة من القارة. ومن سمات الإمبراطورية أنّها تنظمت على أساس دول-المدينة التي تشبه في هيكليتها إلى حدّ ما المدن الإغريقية أيام مجد أثنيا وسبارطة.

وهناك سمتان رئيسيتان للتديّن الأخلاقي عند الأزتيك، كما ورد في قصتي. الأولى أنني لم أتوقف عن القيام بالفعل المذنب بل تدبرت أمره فقط. والثانية أنني لم أتدبر أمره بنفسي بل احتجت إلى مساعدة من آخر.

فإذا ما أخذنا بحسباننا أنّ التديّن تبعاً للطريقة الغالبة في الثقافة «الغربيّة» والذي بتنا جزء من تأثيره شئنا أم أبينا. فهو يركّز بشكل أساسي على الفرد وتنشئته، ويراهن على قدرة هذا الفرد على تصحيح آثامه الخاصة. لكنّ الأزتيك لا يعترفون بهذا النوع من الفردية ولا يرونه ملائماً. فهم يعتقدون بوجوب اللجوء إلى عوائلنا وأصدقائنا وإلى الطقوس الجماعية إن كنّا نبتغي الوصول إلى كينونة أفضل.

ورغم أنّ التديّن «الغربي» قد حمل ذات السمات في مراحل تكونه الأولى، أي في مراحل مشاع الأرض والمراحل الرعوية. فإنّ اللافت هنا أنّ هذه السمات الدينية-الأخلاقية العامّة قد بقيت سائدة لدى الأزتيك حتّى بعد وصولهم لمراحل متطورة من النظام «الإمبراطوري-الإقطاعي». وهذا يأخذنا إلى سؤال ربّما يكون أكثر إثارة للاهتمام: كم يجب على الناس أن يكونوا صالحين؟. أعليهم أن يكونوا قديسين ليناسبوا معايير التدين، أم يكفي أن يكونوا عاديين شرط حصولهم على الدعم الكافي لإنقاذهم؟

  • المعيار الأساسي

قد لا يبدو هذا الأمر مهماً كفاية في المجالات غير البحثية. لكنّ من يعتقد هذا مخطأ. فإن كان عليك أن تحظى بسمات شخصية معينة كي تكون صالحاً، كالذكاء العملي، فسيتم استبعاد الكثيرين. (مثل أولئك الذين لا يمتلكون قدرات إدراكية عالية). لا يبدو هذا صحيحاً أليس كذلك؟. من مميزات النظرة الدينية-الأخلاقية للأزتك أنّها تتفادى حصول هذا السيناريو عبر تشكيل الفضيلة بصيغة تعاونية جميعة وليس بصيغة سعي فردي.

وتبعاً لهذا المفهوم عن الفضيلة بات لدى الأزتيك ثلاثة عناصر رئيسة للصلاح. الأول أنّ الحياة الصالحة هي أمرٌ شبيه «بالنبتة وجذورها» لا يمكن أن تكون منفصلة عن بعضها البعض. والثاني هو فكرة أنّ الفعل الصالح هو عمل مكمل لمجموعة أعمال أخرى. والثالث هو أنّ الفضيلة لا تتحقق بشكل فردي بل يتم الوصول إليها اجتماعياً. وهذه الفلسفة الدينية كانت متقدمة لدى الأزتيك وتبدو واضحة في المؤلفات القليلة التي نجت من النيران «التطهيرية» الإسبانية. لأنّها مدونة من قبل رهبان كاثوليك نقلاً عن المصادر الأصلية.

ففي أحد الأحاديث التي قالها الملك، حاول صياغة سمات الرجال والنساء الممتازين. فقال أنّ الإنسان الفاضل: «هو الموقّر والمدافع عن الرزق… يصبح مثل شجرة قطن الحرير وشجرة السرو، يسعى الجميع ليلتمس فيئها… وهو نفسه الذي يبكي ويحزن. ألا يتمنى الجميع الحصول على السعادة الحقّة؟…». يشبه هذا الوصف الوصف الإغريقي لهكتور بطل طروادة في الإلياذة. فهو: «الشخص الذي يلجأ إليه الجميع، والذي يدعم عائلته في جميع الظروف (فقد دعم باريس شقيقه حتّى عندما اندلعت بسببه الحرب.) ورغم ذلك فقد قتله آخيل.

  • الأرض زلقة ملساء

كان هناك قول مأثور لدى الأزتيك: «الأرض زلقة ملساء». وكان يعني بأنّ الإنسان قد يكون عاش حياة جيدة، ولكنّه ربّما سقط فيما بعد فارتكب معصية أو خطيئة، فسبح في الوحل. أي باختصار: لم يكن أمراً واقعياً لدى الأزتك أن يعيش المرء حياة كاملة بشكل «مثالي» دون أن يرتكب الزلّات. وعليه فإنّ الهدف الأسمى أن تحاول أن تعيش حياة «متجذرة» ويسمونها «neltilizth». وبهذه الطريقة يمكن للإنسان أن يدير أخطاءه وزلاته بشكل جيد عوضاً عن محاولة عدم ارتكابها. وهذا المفهوم الجماعي بالنسبة لهم لا يعد بالسعادة بالضرورة، لكنّه يمنح حياة جديرة بالاحترام. لكن ربّما علينا أن نسأل: مالذي يحول الحياة «لمتجذرة»؟

إنّ «التجذّر» يقابله في لغتنا «الفضيلة». وقد عبّر الأزتيك عن هذا الفهم للفضيلة بشكل شعري بالقول: «كنتَ نقياً عندما أُرسلت إلى هنا. لكنّك أصبحت ثميناً بسبب الشوائب التي مررت بها، مثل حجر كريم أخضر، أو قلادة تركواز جميلة». أن تكون ثميناً يعني أن تكون شبيهاً بالأحجار الكريمة الملونة غير النقية، كاليشم والتركواز. ويصبح هؤلاء المشوبون فضلاء عندما يوازنون بين أفعالهم وزلاتهم، فيغطون على زلاتهم بالفضائل النقيّة. هذه الفضائل هي التواضع والعدل والتعقّل والشجاعة.

وتبدو الفضائل العامّة التي يجب من خلالها التغطية على الزلّات شبيهة بالفضائل التي سادت لدينا في «الشرق» وكذلك في «الغرب». فمن الأمثلة على هذه الفضائل ما ورد عن المرأة السيئة. فهي «المرأة الشهوانية التي تتصرف بإغواء جنسي في كلّ مكان، حتّى عندما تشتري بضائعها من السوق». لكن لا أحد يتوقع منك أن تكون متمتعاً بهذه الفضائل طوال الوقت، وهنا يأتي دور المساندة المجتمعية. فيجب عندما تزلّ أن يساعدك الأقربون إليك بذات دافع الفضيلة التي يريدون تحقيقها.

  • آخيل ضدّ هكتور… من جديد

قارن سباستيان بورسل بين التديّن-الأخلاقي لدى الأزتيك والتديّن-الأخلاقي لدى الغرب ممثلاً بالنسبة له بالفلسفة الإغريقية. رأى بورسل بأنّ بطل الإلياذة الذي يمجده الغرب هو آخيل. فهو في نهاية المطاف الذي ترك الخلود ليحقق المجد، والذي مات بوشاية من الآلهة التي لم يقم لها اعتباراً. لقد حقق آخيل مجده الشخصي ليعبر الأزمان ويصل إلينا بطلاً لا يموت. لكنّ الأزتك ما كانوا ليكتبوا هكذا ملحمة. فبالنسبة لهم ليس آخيل سوى مغروراً شذّ عن جماعته ليشبع غروره. والبطل الحقيقي هو هكتور الذي رفض التخلي عن شقيقه الذي كاد يموت في معركة فردية عادلة. هكتور الذي تحمّل، بوصفه «الشجرة ذات الفيء» غرور والده ونخب مدينته. ومن قتل هكتور؟ إنّه المغرور آخيل. هكذا كان التديّن-الأخلاقي لدى الأزتك ليظهر الملحمة.

وهكذا يمكننا أن نفهم سبب «جشعي» في تناول الحلوى. لكنّ صديقتي التي عرفت بأنني مجرّد بشر خطّاء، ساهمت في دعمي، وأزالت سبب خطأي. وكان عليّ هنا ألّا أهرع إلى السوق لأشتري المزيد من الحلوى، ولهذا فقد تدبرت أمر زلاتي وتراجعت عنها. وفي الختام، ربّما لو تذوقتم الحلوى لما كنتم حكمتم عليّ بالضعف، ولعرفتم سبب اندفاعي إليها…

إعداد: عروة درويش

المراجع:

سبيستيان بيل، الفلسفة الأخلاقية لدى شعوب أمريكا الأصلية، 2010

موسوعة التاريخ القديم

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *