fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / الجرمان والإيزاوريين والتأثير على بيزنطة

الجرمان والإيزاوريين والتأثير على بيزنطة

ساد التأثير الجرماني على الإمبراطورية الرومانية منذ نهاية القرن الرابع وكامل القرن الخامس. وقد شغل أفراد جرمان مناصب هامّة في الحكومة والجيش. كما تغلغلت القبائل الجرمانية أكثر من أيّ وقت مضى في الأراضي التي كان رومانية لقرن عدّة. انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية في النهاية تحت الضغوط المتنوعة في 476 للميلاد. وكان من أهمّ هذه الضغوط القبائل الجرمانية الغازية.

لكنّ الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أو ما يعرف بالإمبراطورية البيزنطية، لم تلق ذات المصير. فقد أنقذتها قبائل شعوب جبال الأناضول: الإيزاوريون «Isaurians». ورغم أنّ الشعب الروماني اعتبر تأثير الإيزاوريين استيلاء أجنبياً، ورغم أنّ عصرهم لم يدم أكثر من أربعين عاماً.، فقد غيّر تأثيرهم العالم البيزنطي للأبد عبر التغلّب على التأثير الجرماني الذي ساهم في سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية.

  • التأثير الجرماني في الغرب:

رغم أنّ الجرمان سكنوا داخل الحدود الرومانية لقرون.، فقد بدأت حركة الشعوب الجرمانية إلى الإمبراطورية الرومانية بشكل جدي في نهاية القرن الرابع للميلاد. بعد دفعهم على يد الهون، استقرّ هؤلاء المهاجرون داخل الإمبراطورية الرومانية الغربية. استقرّ القوط الغربيون في جنوبي إسبانيا، واستعمر الوندال «vandals» شمالي إفريقيا،

وانتهى الأمر بشعوب أخرى مثل البورغنديين والسوفي في أجزاء أخرى من أوروبا. ثمّ بعد وقت قصير بات الإقليم الذي تسيطر عليه الإمبراطورية الرومانية محدوداً بإيطاليا وأجزاء من فرنسا.

وفي المرحلة الأخيرة من حياة الإمبراطورية الرومانية، باتت محكومة بشكل كلي من أمراء الحرب الجرمان. فقد باتت الإمبراطورية معتمدة بشكل كلي على الجرمان في قواتها لمقارعة غزو آتيلا وقوات الهون. وكان الأمراء الجرمان يزيلون أيّ إمبراطور طموح يمكن أن ينافسهم. لقد كان الإطباق الكامل للقبائل الجرمانية على الإمبراطورية الغربية هو فقط أحد عناصر سقوطها.

  • صانع الملوك الجرماني، والإمبراطور:

اختبرت الإمبراطورية البيزنطية، مثلها في ذلك مثلا الرومانية الغربية.، زيادة في الأهمية والتأثير الجرماني في الجيش مابين القرنين الرابع والخامس للميلاد. وكان مرتبطاً بهذا الصعود التأثير الألماني في الفضاء السياسي.

كان هناك شخص يدى أسبار، وهو جنرال قويّ في الإمبراطورية البيزنطية. وكان راضياً عن كونه صانعاً للملوك من خلف الستار. فدمه الجرماني وديانته المسيحية الآرية كانا يفصلانه عن العرش الإمبراطوري. ولهذا قام أسبار بدعم أحد جنوده، ويدعى ليو، في الوصول إلى عرش الإمبراطورية. وكان يأمل أن يكون ليو سهل العريكة وألّا يعيق التغلغل الجرماني المتزايد في الدولة الرومانية.

لكنّ ليو، وبات يحمل لقب الأول (.457 – 474 للميلاد.) كان ينطبق عليه كلّ شيء إلّا كونه ذليلاً وطيعاً. لقد استشعر بخطر وجود القوات الجرمانية داخل الدولة، وبدأ يخطط لوضع حدّاً لتأثيرهم. ولهذا كان عليه البحث عن بديل للجيش المليء بكثرة بالجرمان. وعليه نظر إلى الشرق إلى مجموعة تقطن جبال طوروس في شمال سوريا وجنوب تركيا الحالية: إنّهم الإيزاوريون.

  • قبائل أكثر جموحاً من الجرمان:

كان الإيزاوريون قساة من سكان جبال الأناضول الجامحين. ولم يكون قد اندمجوا إلّا بشكل جزئي في الإمبراطورية البيزنطية. وعليه دعمهم الإمبراطور وزوج ابنته من أحد زعمائهم الأقوياء: تاراسيكوديسا روزومبلادوتس، أو الذي عرف فيما بعد باسم أبسط وأقلّ غرابة: زينو.

خلال العقد ونصف التاليين لهذا الحدث تنافس الإيزاوريون مع الجرمان على التأثير في الدول البيزنطية. عانى الجانب الجرماني من ضربة شديدة لهيبتهم عندما أخفق أحد قادة أسبار، «.ويدعى باسيليكوس.» في الحملة ضدّ ملك الوندال غايسريش في شمالي إفريقيا. إضافة إلى أنّ أسبار لم يكن ذو شعبية في القسطنطينية، وخاصة بعد انكشاف مؤامر رتبها مع ولده ضدّ زينو.

وفي عام 471 أخذ ليو الخطوة الأخيرة عندما قام الحرس الإمبراطوري بقتل أسبار وغيره من القادة الجرمان المهمين. وبعدها قامت السيوف الإيزاورية بقطع مع تبقى من التأثير الجرماني على الدولة لتحلّ محلّه كقوّة داخلية.

لكنّ الجرمان رغم خروجهم من القسطنطينية لم يتوقفوا عن كونهم جزءاً مؤثراً في الدولة البيزنطية. فبعد موت أسبار انضم الجند الجرمان إلى القوط الشرقيين تحت قيادة ثيودور سترابو.، والذين دمروا خلال فترة الخلاف الداخلي مقدونيا. ورغم ذلك فقد اضطرّ ليو لمنح ثيودور سترابو رتبة عسكرية: قائد الجيوش.، ليقف في وجه الغيبيديين الذين سيطروا على مدينة سيرميوم البيزنطية الهامّة. وبهذا استمرّ التأثير الجرماني ليأخذ أبشع أشكاله عندما تمّ فيما بعد نهب البلقان.

  • الإيزاوريون ضدّ الإيزاوريين:

بعد موت ليو، ورث الحكم حفيده ليو الثاني نصف الإيزاوري البالغ من العمر سبعة أعوام. وكان الحاكم الفعلي هو والده زينو، الإمبراطور المشارك. ثمّ مات الطفل بعد تسعة أشهر وبقي زينو هو الإمبراطور الوحيد.

لم يرى القسطنطينيون في الإيزاوريين اختلافاً عن الجرمان، وباتوا غير ذوي شعبية في المدينة-العاصمة. فرغم أنّ تسميتهم بالخارجيين والبرابرة ليس بالأمر الصحيح، فالإيزاوريون كانوا من قلب الإمبراطورية البيزنطية وليس من خارجها.، فقد كانت طبيعتهم الغريبة والخشنة، وكذلك غرورهم وتصرفاتهم العنيفة في بعض الأحيان، مثار نقمة واستياء.

قام الجنرال الإيزاوري إيلوس بحشد القوى ضدّ زينو، وانضمّ إليه باسيليكوس الذي خسر الحملة في شمال إفريقيا. اضطرّ زينو إلى الهروب مع زوجته إلى إيزاوريا كحصن أخير له. وبعد ذلك على الفور قام باسيليكوس بالانقلاب على إيلوس وأمر بذبح جميع الإيزاوريين في العاصمة.

  • التاريخ ساخر:

في أحداث متوالية ليس لمقال واحد أن يحويها، تبدلت رقعة الشطرنج كثيراً وتبدلت مواقع حجارتها معها. فباسيليكوس الذي كان شديداً على المدينة وأعاد النفوذ الجرماني إليها بعد حلفه مع ثيودرو سترابو، بات مكروهاً بشدّة. قاد هذا الأمر الجنرال إيلوس إلى العودة إلى صفّ زينو. وعندما استشعر باسيليكوس الخطر القادم قام بدوره بإعلان دعمه لزينو الذي عاد إلى العاصمة في 476.

وتكمن السخرية في أنّ الإمبراطور زينو قد استخدم في فترة الصراع مع إيلوس، القوات الجرمانية لمقارعته. وكان على زينو أن يتعامل في وقت لاحق مع القوط الشرقيين الذين بدوا أقوى من أن يتم هزيمتهم بعد توحد صفوفهم بموت سترابو تحت راية ثيودريك آمال «الأكبر».

تدبّر زينو أمر القوط الشرقيين بإرساله لثيودريك بدعم إمبراطوري ليطيح بفلافيوس أودواسير، ملك إيطاليا.، ويحكم مكانه كممثل عن الإمبراطورية في إيطاليا. وأدّى هذا إلى إزالة آخر نفوذ جرماني هام من الإمبراطورية البيزنطية.

  • إرث كبير:

عندما مات زينو، وهو إمبراطور غير ذو شعبية لأسباب كثيرة أشهرها سياساته غير المتدينة، بدأت الصراعات. فتصارع لونجينوس مع آناستازيوس الذي أصبح إمبراطوراً بعد زينو وتزوج من أرملته. وانتهى الأمر بإرسال لونجينوس إلى الإسكندرية. لكنّ الفوضى الخاصة بالإيزاوريين استمرت حتّى عدّة حملات عسكرية شنّها آناستازيوس. ورغم أنّ الفوضى في الإمبراطورية وفي عاصمتها لم تكن خاصة بالإيزاوريين.، فقد انتهى فصلهم دون أن يتمكن أحد من الادعاء بأنّ أثرهم انقضى بزوالهم.

كانت حقبتهم هامّة جداً للإمبراطورية. فرغم أنّ عامّة القسطنطينية اعتبروهم أجانب، فقد كانوا من داخل الإمبراطورية وليس كالجرمان. لقد وفّر الإيزاوريون التوازن مع الجرمان. فلو تمّ السماح للنفوذ الجرماني بالتغلغل بشكل كامل في الإمبراطورية البيزنطية، لما بقي التاريخ على حاله. قد لا يكون وضع سيناريو تاريخي بالأمر الدقيقي.، ولكن لو لم يحصل ما حصل، ولم يتخلص زينو في النهاية من القوط الشرقيين بإرسالهم إلى إيطاليا.، ربّما لواجهت الإمبراطورية البيزنطية، وهي الإمبراطورية الرومانية الشرقية، مصير الإمبراطورية الرومانية الغربية.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

الإمبراطورية البيزنطية، منشورات جامعة شيكاغو.

موسوعة التاريخ القديم.

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *