fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / حضارات / العرب وأصل تسميتهم بعيداً عن الأساطير
Medersa Bou Inania

العرب وأصل تسميتهم بعيداً عن الأساطير

من المؤكد بأنّ الكثيرين منّا قد سمعوا شيئاً ما عن أصل كلمة عرب وعن أولى استخداماتها. أو سمعوا عن اللغات الأقدم منها التي قد تكون ساهمت في تكوين هذه اللفظة. لكن لا أظنّ بأنّ علينا التوقّف عند هذا الأصل اللغوي لسببين:

  1. إنّ الأصل اللغوي رغم أنّ العديد من الباحثين وخصوصاً المستشرقين، قد أفتوا به بشكل مطلق، فهو ليس معزولاً عن الأصل الدلالي للكلمة. بمعنى أنّ هذه الكلمة عندما استخدمت لأول مرّة، فمن هي المجموعة التي شُملت بها؟ هل هم أعراب البادية أم جميع العرب؟ هل هم عرب الشمال أم عرب الجنوب أم كليهما؟ هل هم العرب الذين يعيشون على الرعي فقط أم جميعهم؟
  2. إنّ البحوث التاريخية مثلها مثل جميع البحوث، ليست مطلقة أو ثابتة. تتوقف على المعطيات الجديدة التي قد تتوافر مع المكتشفات الجديدة ومع التطوّر التقني والمنهجي في وسائل البحث.    

وعليّ هنا أن أنوّه إلى أنّ المستشرقين، وخاصة الأوائل منهم، لم تكن مناهجهم العلميّة ممّا يرضي البحث. فقد كانت مشوبة دوماً بميولهم وبالتركيز على فكرة واحدة خاصة بهم لينطلقوا منها ويتوسعوا بعدها في بحثهم. إنّ مثل هذه المنهجيات لم تكن جيدة حتّى في زمانهم، ولكن هناك الكثير من الأسباب المقترحة لانتهاجهم إياها وليس مستبعداً منها التيار الاستعماري الداعم والممول لهم في المقام الأول.

ولهذا عليّ أن أشكر الله على شـخصيتين بالتحديد، كانتا من أفضل من تصدّى لتاريخ العرب في مؤلفاتهم: إنّهما جواد علي وحسين مروّة. وهما، وليسا وحيدين بكل تأكيد، يمثلان التطوّر البحثي العربي بكلّ حق.

ونعود الآن إلى موضوع المقال: ما هي لفظة «عرب»؟

إنّ لفظة عرب تشير اليوم إلى لفظة عامة تطلق على البدو وعلى الحضر، لا فرق فيها بين طائفة أو بلد. فنحن نستخدمها للدلالة على جنسيّة وقوميّة لمجموعة لها خصائصها وسماتها وعلاماتها، وفيها ما يربط الحاضر بالماضي كما ما يربط الماضي بالحاضر.

واللفظة بهذا المعنى القومي تحديداً هي مصطلح يعود إلى ما قبل الإسلام. لكنّه لا يرتقي تاريخياً إلى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام إلى عهد بعيد حتّى. فإذا رجعنا إلى القرآن الكريم وجدنا للفظة مدلولاً مختلفاً عن مدلولها في النصوص الجاهلية التي عُثر عليها حتّى الآن. فقد استخدم القرآن اللفظة بمعنى علم على الطائفتين دون تمييز بين حضر وبداوة. فقال مثلاً: «ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا: لولا فصلت آياته أعجمي وعربي. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد».

أمّا في النصوص الواردة في التوراة والإنجيل والتلمود وبقية الكتب اليهودية والمسيحية. وفي ما بقي من مؤلفات يونانية ولاتينية من قبل الإسلام، فإنّ كلمة عرب كانت تعني أعراب أهل الوبر.

الأصل في الحضارات القديمة:

حاول المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون أن يتتبعوا تاريخ الكلمة في اللغات السامية. وكذلك فقد بحثوا عنها في كتابات الآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعبرانيين وغيرهم. فوجدوا أنّ أقدم نصّ وردت فيه لفظة (عرب) هو آشوري من أيام الملك شلمنصر الثاني ملك آشور. ولم تكن لفظة عرب تعني عن الآشوريين ما تعنيه لنا، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية. وكان على رأسها أمير يلقب نفسه «ملك» ويقال له «جنديبو» أي الجندب، وكانت علاقته بالآشوريين سيئة.

ولما كانت الكتابة الآشورية لا تحرّك المقاطع، فقد صعب على الباحثين ضبط الكلمة فاختلفوا في كيفيّة نطقها. فقرئت: آريبي وآروبو وآريبو وآروب وأوربي وأرابي وأربي إلى غير ذلك من القراءات. والظاهر أنّ صيغة «أوربي Urbi» كانت من الصيغ قليلة الاستعمال ويغلب الظن بأنّها استعملت في زمن متأخر وأنّها كانت بمعنى (أعراب). وبكل حال فإنّ الآشوريين كانوا يقصدون بجميع صيغ الكلمة تلك الإمارة التي تحكم في تخوم البادية والتي لم تكن علاقتهم بها طيبة. وقد استخدموا الكلمة للتمييز بين تلك الإمارة وغيرها من القبائل التي كانت مستقرة في تخوم البادية.

ووردت في الكتابات البابلية جملة «ماتو-أرابي» ومعنى «ماتو» أرض وبهذا يكون المعنى «أرض عربي» أي بلاد العرب أو الأعراب بتعبير أدق. وقصد بها البادية إذ كانت تحفل بالأعراب. وجاءت في كتاب بيستون لدارا الكبير أو داريوس، لفظة «أرباية» وذلك في النص الفارسي المكتوب باللغة الأخمينية. وكان الفرس كما البابليون والآشوريون قبلهم يريدون باللفظ الإشارة إلى البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلا الشام.

وقد أشير كذلك في نصّ دارا السابق إلى مصر ضمن كلمة «العربية»، وهو ما دفع الباحثين إلى إدخال سيناء في الكلمة. وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد.

العرب في التوراة:

وبذات المعنى، أي معنى البداوة والجفاف والفقر، وردت اللفظة في العبرانية ولغات ساميّة أخرى. فقد وردت آية في سفر إشعيا مثلاً: «ولا يخيم هناك أعرابي». فقصد بلفظة عرب البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية لمجموعة ما بالمعنى الحالي. والآية «وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الدانيين»، فلم يقصد بها المعنى المفهوم اليوم أو في صدر الإسلام «لبلاد العرب». بل قصد بها البادية التي بين بلاد الشام والعراق، وهي موطن الأعراب.

وكذلك وردت في إرميا الآية: «وكلّ ملوك العرب»، وتعني عرب البادية. والمراد بها رؤساء هؤلاء الأعراب ومشايخهم، لا ملوك مدن وحكومات. وأمّا الآية: «في الطرقات جلست لهم كأعراب في البريّة» فالمقصود بها البدو أهل البادية غير الحضريين.

وممّا يؤيد هذا الرأي ورود (هاعرابة) في العبرانية، ويراد بها ما يقال له: «وادي العربة». وهي للدلالة على الوادي الممتد من البحر الميت أو بحر الجليل (بحيرة طبرية) إلى خليج العقبة. وتعني لفظة «عرابة» في العبرانية الجفاف وحافة الصحراء وأرض محروقة، وهي جميعها معاني متصلة بالبداوة والبادية.

وفي رسالة القديس بولس على أهل غلاطية قصد بالعربية بريّة سورية.

العرب عند اليونان:

أول من ذكر العرب من اليونان هو «أسخيلوس»، حيث تحدّث عن جيش أحد قادة الفرس ويدعى «أحشويرش». فقال أسخيلوس: أنّه كان في جيش أحشويرش ضابط عربي من الرؤساء مشهور. ثمّ تلاه شيخ المؤرخين هيرودوتس ويبدو بأنّه كان لديه بعض الاطلاع على تاريخ العرب. فأطلق لفظ «أرابي» على بلاد العرب: البادية وجزيرة العرب والأرض الواقعة إلى الشرق من نهر النيل. وأدخل سيناء وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب.

فاليونان، والرومان، استخدموا لفظة «العربي» للدلالة على بلاد العرب. وقد شملت جزيرة العرب وبادية الشام. وسكانها هم عرب على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم. وذات اللفظ حتّى عندما يكونون حضراً لا بداوة، وذلك لاعتقادهم بأنّ البداوة كانت غالبة على السكان القاطنين في المنطقة.

«العرب» عند العرب:

من الأفضل أن نختم بما عنته كلمة العرب عند العرب أنفسهم. وهنا علينا أن نقسّم العرب في ما قبل الإسلام، سيراً على سنّة الأبحاث التي وضعها المستشرقون، عرب شمال وعرب جنوب.

وليس لدينا من كتابات عربية شمالية إلّا نصّ واحد ذو شأن كبير يعود لعام 328م، ورد فيه:

«مر القيس بر عمرو، ملك العرب كله، ذو اسرالتج وملك الأسدين ونزروا وملوكهم وهرب مذحجو…»

ولا نستطيع هنا أن نقول بأنّ لفظ العرب كان يقصد به لفظاً عاماً يدلّ على العرب والحضر. لكن من الواضح بأنّه قصد القبائل العربية التي كانت تقطن بادية الشام.

وأمّا النصوص العربيّة الجنوبية، فقد ورد فيها لفظ «اعرب» بمعنى أعراب أي سكان بادية. فورد مثلاً: «واعرب ملك حضرموت» أي «وأعراب ملك حضرموت». وورد «واعرب ملك سبأ» أي «وأعراب ملك سبأ».

وكانت النصوص تستخدم أسماء المدن أو قبائلها للدلالة على الحضر المستقرين فيها. كما ورد في نص «أبرهة» نائب ملك الحبشة على اليمن. فكان يقال «سبأ» و «همدان» و «حمير». وكانت جميع النصوص العربية الجنوبية تستخدم هذه الصيغ لتمييز المدن والحضر عن القبائل المتنقلة واسمها «اعرب». وهو ما يؤدي بأنّ لفظة «عرب» و «العرب» لم تكن تؤدي إلّا قبيل الإسلام بقليل معنى القومية والعرق.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

جواد علي

حسين مروّة

مارغيلوث مونتغمري

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *