fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / حضارات / العلا السعودية ومملكتا ديدان ولحيان

العلا السعودية ومملكتا ديدان ولحيان

عندما كانت الدولة المعينية في اليمن (1300 – 630 ق.م) في أوجها.، كان هناك جالية منها قد ارتحلت وسكنت في مدينة العلا «.تقع حالياً في المملكة العربية السعودية على بعد 300كلم شمال المدينة المنورة.»، وكانت تتبع لحكومة معين وكانت نوعاً من المستوطنة العادية ذات الحكم المحدود.

ثمّ عندما ضعفت حكومة معين، انقطعت صلة هذه المستوطنة في مدينة العلا التي كانت تسمّى في حينه «.ديدان.» بأمّها في اليمن، وحكمها ملوكاً بتنا نسميهم اليوم ملوكاً ديدانيين. وبعدهم أتى ملوك أخضعوا الديدانيين على أغلب تقدير ونسميهم اليوم لحيانيون، وبقي الأخيرون حتى أخضعهم الحميريون في غالب الأمر.

  • سوّاح ظرفاء:

كان السائح الإنكليزي تشارلز مونتا دوتي يرتحل في شبه الجزيرة في عام 1876 هرباً من رتابة أوروبا وآلاتها التي تغزو كلّ مكان. وكان يجوب الصحراء باحثاً عمّا سمّاه لورنس العرب بعده بنحو نصف قرن باسم:

«أعمدة الحكمة السبعة». ثمّ وهو يقارع الأخطار زار مواضع أثرية عديدة مثل مدائن صالح والحجر والعلا. وكتب عن رحلته هذه أدباً لا يزال من خيرة ما كتب في هذا الموضوع في الأدب الإنكليزي. وبفضل هذا السائح التفتت الأنظار إلى هذه البقعة الآثارية التي حكمتها مختلف الشعوب وتكدست في أرضها آثار متداخلة بعضها ببعض.

ثمّ جاء بعد دوتي رحّالة آخرون، فزاروا هذه المواضع. ومنهم يوليوس أوبتنك وتشارلز هوبر وجاوسن وسافيناك وفلبي وغيرهم. وبفضل هؤلاء وكتاباتهم وصورهم ولوحاتهم تجمع لدى الباحثين مادى عن تاريخ هذا المكان.، وكذلك عن المواقع التي تتوضع في أعالي غربي شبه الجزيرة العربية.

  • أزمان تطاول الناس عليها:

تقع خرائب ديدان اليوم في منطقة وادي العلا.، وتوجد على حافتيه كتابات. وتعد منطقة الخريبة تحديداً هي مركز الديدانيين. ولكنّ أهل المنطقة انتزعوا الكثير من الأحجار الأثرية واستخدموها في أبنيتهم فضاعت الكثير من الكتابات وقضي عليها. وما بقي منها يحدث الجميع عن وجه التاريخ المخرب والأزمان التي تطاولت يد الإنسان عليها.

وللكتابات التي عثر عليها في هذه الأرضين شأن خاص عند من يريد دراسة تاريخ الكتابة والخط وكيفية تطوره وظهوره. فهذه المنطقة عقدة من المواصلات الهامة التي ربطت شبه الجزيرة بالعراق وبالشام وبمصر.، وعلى مشارفها التقت ثقافات وحضارات، ولهذا نجدها تجمع ميزات الخط الشمالي والخط الجنوبي، ونجدها تملك لهجتها العربية الخاصة.

وكان أهل جنوب شبه الجزيرة العربية ينقلون منها تجارتهم وتجارة إفريقيا والهند وبقية آسية، إلى بلاد الشام لكونها لم تكن تبعد أكثر من مسيرة خمسة أيام عن البحر الأحمر. لقد استطاعت بهذا الموقع أن تكون ملتقى العرب من المشارب، زد عليهم التجار الأجانب. ولهذا فمن المنطقي أن نجد هذا الاتصال في الكتابة واللغة والثقافة والحضارة والفن.

  • ديدان:

بسبب قلّة ما لدينا من كتابات عن ديدان، فنحن لا نعرف الكثير في حقيقة الأمر عن هذه المملكة المنسية. ذهب البعض إلى أنّ ديدان قد ظهرت كمملكة في حوالي عام 160 ق.م. ولكنّه يرى بأنّ هذه المملكة لم تعش طويلاً وحدها فقد سقطت في أيدي اللحيانيين في حوالي عام 115 ق.م.

وقد وصل إلينا اسم أحد ملوك ديدان وهي مذكورة في واحدة من الكتابات. وقد ابتدأت الكتابة بجملة: «كهف كيرال بن متعال ملك ددن» وتعني «قبر كبرايل بن متع ايل ملك ديدان». فلهجة ديدان تقول عن القبر بأنّه «كهف».

ويذهب البعض إلى أنّ هذا الملك قد حكم في حوالي عام 500 ق.م، وهو ما ينفي الرأي السابق عن ظهور المملكة. ولسنا ندري أيّ شيء عن كيفية حصول الديدانيين على استقلالهم عن المعينيين. قد يتمخض المستقبل دراسات أغزر.، تجود علينا بمعلومات أكثر تفصيلاً وأكثر نفعاً تساعدنا في تشكيل صورة أفضل عن تاريخنا وتاريخ هذه المنطقة الزاخرة بالحضارات.

  • اللحيانيون:

رغم أنّ معارفنا عن لحيان هي بدورها ضئيلة، فإنّها خير من معارفنا عن ديدان. ويعود الفضل بذلك إلى ما ورد عنهم في مؤلفات بعض الكتبة اليونان واللاتين وإلى كتابات اللحيانية التي عثر عليها الرحالون. فقد وصلت لنا أسماء ملوك حكموا مملكة لحيان، وهي مملكة صغيرة تقع جنوب أرض حكومة النبط. ومن أشهر مدنها ددان، وهي خرائب العلا في الزمن الحاضر. وكان شعب لحيان من شعوب عرب جنوب شبه الجزيرة في الأصل كما يرى البعض. ويرى هؤلاء بأنّ الحميريين استولوا على مواطن اللحيانيين في حوالي سنة 115م، فخضعوا بذلك لحكم الحميريين. وليس هذا بالأمر المؤكد فهناك احتمال آخر سنراه بعد قليل.

ويؤيد من يرى بأنّ اللحيانيين ذوي أصول جنوبي هو ورود اسم لحيان في نصّ عربي جنوبي: «أب يدع ذلحين» أي «أبيدع ذو لحيان». ويعني هذا النص غالباً أن أبيدع هذا كان أحد رؤساء لحيان في ذلك الزمن. ويرى البعض بأنّ اللحيانيين كانت لهم صلات وثيقة بمصر، وتأثرو بالثقافة اليونانية التي كانت شائعة في مصر إذ ذاك. لدرجة أنّهم سموا ملوكهم أسماء يونانية مثل تخمي وبتحمي وتلمي، وأخذت من بطليموس.

ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ الملك الأول للحيانيين قد كان من أهل عرب الشمال، مثل النبط على سبيل المثال. وقد أغار على ديدان الذين كان المعينيون قد شكلوا فيها حكومة مدينة، وبعدها بات للحيانيين سلالة خاصة بهم. وكانت غاية المعينيين في غالب الأمر من تلك المستوطنة المسماة ديدان أن يشكلوا مراكز قادرة على حماية القوافل التجارية. ولا يوجد اتفاق بين الباحثين حتّى هذه الساعة على من سبق من: اللحيانيون أم الديدانيون أم المعينيون. ولكن الغالبية ترجح أنّ المعينيين أتوا أولاً ثم بات هناك ديدانيون ثمّ لحيانيون.

  • عدو مشترك ونهاية نبطية:

يرى البعض أنّ اللحيانيين قد كانوا حلفاء أشداء للبطالمة أيام بطليموس الثاني، وأنّهم حصلوا منهم على دعم وتأييد شديدين. وقد كان اللحيانيون يخافون النبطيين ويكرهون تدخلهم في شؤونهم، وكان البطالمة بدورهم يريدون الضغط على النبطيين ليسيطروا عليهم. ولهذا تحالفت الدولتان مع ميزة واضحة للأثرى والأقوى وهم البطالمة. ويرى البعض أنّ الاستقلال اللحياني قد حدث بين عامي 280 – 200 ق.م.

ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ نهاية حكم اللحيانيين كان على يد النبطيين بعد عام 24 للميلاد. وبأنّ حكم النبطيين لها لم يدم طويلاً حيث استولى الرومان على مملكة النبط سنة 106 للميلاد، وكونوا منها ومن غيرها من الأراضي مكاناً أطلقوا عليه اسم «المقاطعة العربية».

ورغم المعلومات القليلة، فإنّ هناك الكثير ممّا يمكن أن يقال دون أن يسمح الوقت بقوله. لكنّ الغالب أنّ اللحيانيين لم يصل إليهم الرومان، ولذلك فقد تمتعوا ولو لفترة وجيزة باستعادة ملكهم. لكنّهم بعدها دخلوا في حالة فوضى فهاجر منهم البعض إلى الجنوب أرض أجدادهم، وانضم غيرهم إلى القبائل مفضلين حياة البداوة على الفوضى.

وننهي بحادثة يذكرها الإخباريون أيام «تأبط شراً» الذي توفي حوالي 607 للميلاد قد تكون، وقد لا تكون، مرتبطة باللحيانيين. يُذكر أنّ تأبط شراً أتى جبلاً في بلاد «بني لحيان» ليشتر منه عسلاً ومعه جماعة، فخرج عليهم اللحيانيون فهرب من كان مع تأبط شراً. فحاصره اللحيانييون، إلّا أنّ تأبط شراً أزلق نفسه على جدران الجبل فلم يحلقوا به وهرب.

إعداد: عروة درويش

اقرأ ايضا

أبنية العرب في الجاهلية

تباينت منازل العرب واختلفت لعدّة عوامل، فكان منها البيوت المتنقلة ومنها المباني بالمدر (الطين المبلل) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *