fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / حضارات / حضارة أورارتو وفنّ لا يفنى

حضارة أورارتو وفنّ لا يفنى

ازدهرت حضارة أورارتو في مناطق هضبة أرمينيا وشرقي تركيا وشمال-غرب إيران بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد. وأنتجت فنّاً يمكن رؤيته على أكمل صوره في تماثيل الآلهة والقدور البرونزية المزينة بالحيوانات وبرؤوس الآلهة وطلائها النابض بالحياة.

وهذا الفنّ مزيج من مواضيع حضارة ما بين النهرين والمواضيع المحلية، مصحوباً بمهارات حرفية يدوية. ما يجعل من فنّ أورارتو واحداً من أكثر مجموعات «الشرق الأدنى» المتوزعة في المتاحف حول العالم إذهالاً.

  • الأفكار والتأثير:

يصعب تمييز الفنّ الأورارتوي عن غيره ممن سبقوه أو كانوا معاصرين له أو حتّى خلفوه. خاصة إذا ما أخذنا بالحسبان أنّ ثقافة جيرانهم الأقوى منهم: الآشوريون، طغت على ذكرهم، ماضياً وحاضراً. لكنّ إحدى نقاط الانطلاق الآمنة في البحث عن تميزهم هو معرفتنا بأنّ الأورارتويين كانوا أسياد الأعمال المعدنية، وتحديداً القدور. ويمكننا أن نفترض بأنّهم وقد امتلكوا مثل هذه الموهبة، كانوا مبتكرين في كلا مجالي الأفكار والتقنية. فالتاريخ يعلمنا بأنّ الفنانين لن يطول بهم المطاف وهم يقلدون غيرهم، حتّى يبدؤوا تجاربهم الخاصة.

من الواضح عند التعمق في فنون أورارتو بأنّهم قد تأثروا بشكل خاص بمعاصريهم الآشوريين. وكذلك بالفنون التي أنتجتها شعوب الشرق الأدنى السابقة لهم مثل الحثيين والحوريين. ونتحدث هنا عن مواضيع مثل الأسود والثيران والكائنات الأسطورية مثل العنقاء والسنطور. واكتُشف في مواقع أورارتو آثار ثقافية ذات صلة بالمصريين القدماء أيضاً، مثل قطع أثريّة تحمل كتابة هيروغليفيّة، وتحديداً تماثيل خزفية.

لكنّ هذا التشابك في الصلات الثقافية يصاحبه عدم قدرة تمييز النقوش. يبدو من الصعب معرفة إن كانت هذه الأعمال قد صنعت في أورارتو أم في آشور أم في الإمبراطورية الأخمينيّة. ويزيد صعوبة هذا الأمر أنّ الكثير من القطع الأثرية الأورارتويّة قد وُجدت في مواقع آشورية. فلم يعد بالإمكان التحديد إن كانت قد سلبت كغنائم أم صنعت خصيصاً للمدن الآشورية من قبل حرفيي أورارتو. وهناك احتمال آخر، هو أنّ هذه القطع الفنية قد أُنتجت في المرحلة التي شهدت انحساراً سياساً وفنياً. ففي حينه لابدّ أنّ فنّ أورارتو قد فقد بعضاً من خصائصه المميزة.

  • المنحوتات كبيرة الحجم:

لسوء الحظ، لم تنج الكثير من المنحوتات والتماثيل كبيرة الحجم، إلّا على شكل كسرات وأجزاء مفتتة. وأكثر الأمثلة أهميّة هي قطع البازلت الستّ الناجية، والتي تشكل بجمعها تمثال إله العواصف في أورارتو: «تيشبا Teisheba». ويعود تيشبا إلى القرن السابع قبل الميلاد. وقد تمّ إيجاده عند التنقيب في أديلسيفاز شمال بحيرة فان. ويمكن رؤية كامل القطعة المرممة في متحف يرفان في أرمينيا.

إنّه الإله الذي يحمل بإحدى يديه رمحاً أو سهماً، وباليد الأخرى سوطاً أو هراوة. كان يتم وضع مثل هذا التمثال في المعابد الأورارتويّة. ونعلم ذلك من النقوش والأعمال الفنيّة الآشوريّة التي تجسد الهجمات على أورارتو ما بين منتصف وأواخر القرن الثامن قبل الميلاد.

  • الأعمال المعدنية:

تمّ تقطيع وصقل ونقش وزخرفة وترصيع المعادن من أجل إنتاج قطع مزينة تصلح كجواهر بكلّ أنواعها. وكذلك كخوذ وتروس ورماح وأختام صغيرة وتمائم بحجم الأجراس. وأيضاً كقطع لضفر شعور الخيول وللرسن ولتزيين الأحزمة وكشمعدانات. يبدو بأنّ البرونز والنحاس كانا هما المعدنان الأكثر انتشاراً. فقد كان هناك قدور برونزية كبيرة منقوش عليها رؤوس حيوانات أو بشر بأبعاد ثلاثيّة على فتحتها أو على مقابضها.

وكان هناك على الأخص شكل إلهة مجنحة لتزيين القدور. وربما كانت هذه الإلهة تمثّل توشبويا، زوجة إله الشمس شيفيني. كما استخدمت الأشكال الهندسيّة المشكّلة من البرونز لتزيين جدران الأبنية الداخلية. وفي بعض الأحيان كانت توضع صفائح من الذهب والفضّة على شكل أوراق شجر للزينة. وكانت الأحزمة البرونزية منقوشة بمشاهد الصيد، وصيد الأسود أحد أمثلتها.

وقد حمل السادة تروساً مزخرفة بكائنات أسطورية وبأسود وثيران. وكانت الدروع والتروس التي تعود لأفراد العائلة الملكية تصنع من البرونز، وقد استطعنا التعرف عليها بواسطة الرسوم التي ساعدتنا على تمييز الفن الأورارتوي خارج آسيا.

  • بقيّة الفنون:

أبدعت أورارتو في العديد من المجالات، مثل الصناعات الفخارية المستخدمة بشكل يومي، والمستخدمة لأغراض احتفالية. فيمكننا أن نرى مجموعة متنوعة وكبيرة من الأواني ذات الأشكال الأخّاذة. وهذه الأواني تأخذ بجلّها شكل وعاء مدور فارغ، ونادراً ما كانت تأخذ شكل حذاء. كما كان هناك صناديق صغيرة مزينة أو ملونة لاستخدامها في الطقوس الدينية أو في الاستخدامات اليومية. وقد نجت الكثير من القطع كشواهد على هذا النوع من الفن.

وكذلك انتشر الفن الديني الذي يمجّد خاصة آلهة الخصب والحرب. وهناك بعض التماثيل الغريبة والفريدة لآلهة غير معروفة، مثل تمثال إلهة مصنوعة من العظام. وأيضاً مزيج غريب من رجل سمكة ورجل طائر ورجل عقرب. ويتكرر رسم هذه الكائنات الثلاثة على الجدران الداخلية للمخازن، وعلى الأغلب كانوا يعتبرون كأرواح حامية. وكذلك نرى بعض الرسوم المأخوذة من فنّ ما بين النهرين في أماكن عديدة، ولشخصيات متعددة. وهناك تمثال لإله ذكر راكع مجنح وهو يحمل قرص الشمس، وهو غالباً تمثيل مقتبس عن إله الشمس المصري رع.

  • الإرث:

ترك فنّ أورارتو أثراً على مساحة واسعة في الشرق الأدنى. لكنّ هذا الأثر امتدّ أبعد من ذلك ليصل إلى الإغريق، وتحديداً في كريت ورودس وساموس ودلفي وكورنثوس. ويُظهر الفنّ الإتروسكاني أوجه شبه كبيرة أيضاً. ربّما خُلقت هذه الأفكار بشكل مستقل. أو ربّما انتقلت عبر التجارة وتبادل البضائع. أو عبر هجرة الفنانين أنفسهم من مكان لآخر. وتبقى الإجابة على هذا التساؤل قائماً ينتظر المزيد من البحث.

إنّ نقطة الوصل بين حضارات البحر المتوسط المتنوعة هذه هي في الغالب ميناء بوسيدون المزدهر (المينا حالياً في لبنان). ويقع على منبع نهر العاصي. وقد سيطرت أورارتو على الميناء في النصف الأول من القرن الثامن قبل الميلاد.

وتستمرّ بعض العناصر من أورارتو بالظهور في فنون الإقليم لوقت طويل لاحق. تماماً كما عمّرت لغة أورارتو لوقت طويل بعد وقوع المدن في سطوة الميديين والقوى التالية. ومثال على ذلك عنصر شجرة الحياة الذي لا يزال يظهر في الأغاني الشعبية وفي النصوص في أرمينيا التي تعود للعصور الوسطى.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

موسوعة التاريخ القديم

حضارة أورارتو الضائعة

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *