fbpx
الجمعة , أكتوبر 18 2019
الرئيسية / حضارات / سوقُ عكاظ منبرُ الأبداع وميدانُ الأصالة العربية !

سوقُ عكاظ منبرُ الأبداع وميدانُ الأصالة العربية !

يقفُ الشاعرُ في منتصفِ السوق ليلقي قصيدته وسطَ محفلٍ من الشعراء والأدباء ونوابغ الأدب العربي في ذلك الزمان.
إنه منتدى العرب الأول عبر التاريخ، ووسيلة إعلامهم الأقوى منذ مئات السنين. فإليه تُشد الرحال ويقف الخطباء على نشز من الأرض فيها ليصدحون برسائلهم ومواعظهم وما في جعبتهم.
كل هذا وأكثر كان يحدث في أسواق العرب قديماً حيث كانت تُعد منبرهم الإعلامي الذي وفرّ لهم جواً من الثراء الفكري والأدبي وحتى المادي. ومقالنا اليوم عن أبرز تلك الأسواق وأشهرها وهو سوق عكاظ التاريخي.. ميدانُ الإبداع والأصالة العربية .


لمحة تاريخية عن سوق عكاظ :
سوق عكاظ أشهر أسواق العرب وأعرفها، وهي سوق تجارة وسوق سياسة وسوق أدب. فيها كان يخطب كل خطيب مصقع، وفيها علقت القصائد السبع الشهيرة افتخارا بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل.
كان يأتيها من العرب قريش وهوازن وسليم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب. وكانت تقوم للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر، وبالتالي كانت مدة افتتاح السوق 20 يوماً، وبقي سوق عكاظ إلى أنْ جاءت الحرورية، حيث قامت بتدميره وإعاثة الخراب فيه.

يقعُ مكان سوق عكاظ في واد بين مكة والطائف على مرحلتين من مكة ومرحلة من الطائف، وموقعها جنوب مكة إلى الشرق. تقوم السوق في مكان منه يعرف بالأثيداء فيه مياه ونخل، وهو مستوٍ لا علم فيه ولا جبل إلا ما كان من الأنصاب التي كانت لأهل الجاهلية.
سُمي سوق عكاظ بهذا الاسم؛ لأنَّ العرب كانوا يجتمعون فيه، ويتعاكظون، أي أنَّهم كانوا يتفاخرون بأنسابهم ويتناشدون الأشعار. يقول الليث بن المظفر الكناني : «سميت عكاظا لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة».
أبرز مظاهر ونشاطات السوق :
قديماً وقبل بعثة النبي محمد بالتحديد، كان يعتبر عكاظ موسماً من مواسم الحج في الجاهلية، فكان العرب يذهبون إليه قبل منى.


تقول قريش وغيرها من العرب : لا تحضروا سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز إلا محرمين بالحج.
فتبين من ذلك أن (عكاظ) موسم من مواسم الحج عند العرب في جاهليتها يسبق الوقوف بعرفة، ولأجل هذا التجمع الكبير لهؤلاء الحجاج استغل سوقاً أدبياً وتجارياً.
لقد كان سوق (عكاظ) سوقاً لكل البضائع المادية والأدبية، فإضافة إلى البضائع المادية كالتمر والسمن والعسل والخمروالملابس والإبل. فهو سوق للبضائع الأدبية، فقد كان الشعراء يتوافدون إلى هذا السوق من كل حدب وصوب ليلقوا قصائدهم أمام الناس بهدف التباهي والتفاخر. فيأتي الشعراء بقصائدهم لتعرض على محكمين من كبار الشعراء .
ومن المظاهر التي كانت تسود سوق عكاظ أيضاً:
 المفاخرة والمنافرة بين الناس، وربما قامت حروب بسبب منافرات قيلت في السوق كحرب الفٍجَار.
 يرى زائر السوق في الماضي بعض النساء والفتيات اللواتي يُعرضن للتزويج آنذاك .
 وقد يحضر السوق بعض الخطباء المصاقع، كقس بن ساعدة الإيادي.
 ولقد قصد الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذه الأسواق ليبلغ رسالته، كونها كانت تعد الميدان الرحب لتناقل مثل هذه الأنباء العظيمة.
أعلام سوق عكاظ :
النابغة الذبياني:

أحد شعراء المعلقات، كان من أهم الشعراء الذين يرتادون سوق عكاظ كل موسم، وكان تُنصب له خيمة حمراء من أدم فيأتي إليه الشعراء ويعرضون عليه قصائدهم. حيث كان رئيسًا لسوق عكاظ في الشعر، وبمنزلة الناقد في ذلك الزمن، كيف لا وهو النابغة الذي نبغ بالشعر دفعة واحدة، وهو صاحب المعلقة العاشرة التي يقول مطلعها:

يا دارَ ميةَ بالعلياءِ، فالسندِ أقوتُ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
يقول الأصمعي: «كان النابغة يضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فيأتيه الشعراء فيعرضون عليه أشعارهم».
من هنا يبرز لنا ملمح ثقافي مهم من ملامح سوق عكاظ، حيث صناعة الشعر والاحتفاء به. لقد كان بعض الشعراء يترددون على النابغة من حول إلى حول حاملين قصائدهم إليه إلى أن تستقيم. فالخيمة الحمراء جزء من ملامح ذلك السوق التاريخي الأدبي.
الخنساء في سوق عكاظ :
من أشهر قصائد الرثاء قصيدة الخنساء في أخيها صخر التي تقول في مطلعها:

قذى بعينِك أمْ بالعينِ عوارُ أم أقفرتْ إذا خلتْ من أهلِها الدارُ

لقد أنشدت الخنساء هذه القصيدة في أحد مواسم سوق عكاظ في خيمة النابغة، فطارت بها الركبان وأصبح اسم الخنساء كشاعرة على كل لسان. ولقد كان للخنساء حضور مميز في ذلك السوق. فكانت تتجادل مع الشعراء في الشعر، ولقد كان بينها وبين شاعر الرسول، صلى الله عليه وسلم، حسان بن ثابت مجادلات في خيمة النابغة الذبياني الذي قال بعد أن استمع لقصيدتها: «لولا أن الأعشى أنشد قبلك، لفضّلتك على شعراء هذه السنة». فغضب حسان بن ثابت وقال: أنا أشعر منك و منها… فكانت المجادلة بين الخنساء وحسان.. حيث أثبتت أنها أقدر منه في الصور والتراكيب، واستخدام المفردات للدلالات.
مصير سوق عكاظ منذ الماضي وحتى اليوم :
استمر سوق عكاظ في عهد النبوة، وصدر الإسلام “أيام الخلفاء الراشدين”، وزمن بني أمية حتى سنة 129هـ، حيث ثار الخوارج ونهبوه. وقد تأثر سوق عكاظ بتوسع الدول الإسلامية، وانتقال مراكز الحضارة من الحجاز إلى دمشق، ثم بغداد، حيث المدن الكبيرة. وبدأت الحياة الجديدة في الشام والعراق ومصر تجذب الناس إليها مع الاهتمام بالفتوحات، ما أضعف الحاجة إلى سوق عكاظ ودوره التجاري.

أما اليوم فيشكل سوق عكاظ معلماً سياحياً فريداً في المملكة العربية السعودية، ورافداً مهماً من روافد السياحة، إذ يقوم السوق اليوم في ذات المكان الذي يقع فيه سوق عكاظ التاريخي، ويقصده اليوم الكثير من السائحين لمشاهدة السوق كمعلم تاريخي ضارب في جذور الماضي.
يعيد سوق عكاظ إلى الأذهان أمجاد العرب وتراثهم الأصيل، من خلال ندوات السوق ومحاضراته وفعالياته التي شهد عليها ماضي السوق وحاضره.

إعداد : مي أبو شام .

المصادر:
موسوعة ويكبيديا
مجلة ترحال

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *