fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / حضارات / عرب الشام والعراق بقدم التاريخ

عرب الشام والعراق بقدم التاريخ

من سوء حظّ السوريين والعراقيين واللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين، أنّهم يعانون اليوم من تردي أوضاعهم في دولهم. فمن حروب إلى فقر إلى نقص خدمات إلى ظواهر التطرف التي تعبّر عن رأس جبل الجليد. وقد أدّت هذه الأسباب، وخاصة التطرّف الديني، إلى ردّات فعل عنيفة على الانتماءات. وإحدى ردّات الفعل العنيفة هذه هي مسألة العرب والعروبة. فقد ساد مزاج عام في هذه الدول، وخاصة في المدن الكبرى منها حيث الضغوط الشعبية لا بدّ وأن تجد ما يعبّر عنها، ينكر الانتماء للعرب.

فبتنا نسمع الكلام عن أنّ العرب دخيلون حديثون على هذه المنطقة، وأنّها قبل الإسلام كانت إمّا أمّة سورية أو أمّة بابلية أو آشورية أو كنعانية أو فينيقية. وكأنّ الانتماء للحضارات التي عاشت في المنطقة سيغيّر في واقع الحال شيئاً. قد يكون هذا الأمر نوعاً من ردّة الفعل الغاضبة. وقد يكون جزء من الهيمنة الثقافية للنخب التي لا تريد لشعوبها أن تنطق بسبب تردي أوضاعها الحقيقي.

لكن ليس هذا هو موضوع مقالنا، بل سنتحدث عن العرب في الشام والعراق ما قبل الإسلام. سنرى بعد قليل بأنّ العرب كانوا موجودين في هذه المنطقة، وتطوروا فيها وأثروا بها قبل الإسلام بكثير. وليس هذا الأمر مفخرة للعرب ولا مذمّة لهم، بل هو مجرّد حقيقة تاريخية قابلة للنقض في حال ظهور دلائل جديدة. لا نبتغي هنا إظهار أنّ العرب أصحاب الحضارة الأفضل، لكننا أيضاً يجب ألّا ننساق للتيارات غير الثقافية التي تريد إنفاذ الكلام غير العلمي.

  • هم وغيرهم من الأقدمين:    

ليس من السهل علينا التعرّض في الوقت الحاضر للصلات التي كانت بين «العرب الشماليين» وبين حكومات الحضارات الأقدم، فبينها وبيننا حجب كثيفة ثخينة لم تتمكن الأبصار من النفاذ منها لاستخراج ما وراءها من أخبار عن صلات العرب في تلك العهود بمنطقة العراق والشام.

ولعلّ خبر «نرام سن» الأكادي (2270 – 2223 ق.م) عن استيلائه على الأراضي المتصلة بأرض بابل والتي كان سكانها من العرب. هو أقدم خبر يصل إلينا في موضوع صلات العرب بالعراق. وهو خبر ينبئك بأنّ عرب أيام نرام سن، كانوا في تلك المنازل قبل أيامه بالطبع. وهي منازل كوّنوا فيها (مشيخات) و(إمارات) مثل إمارة (الحيرة) الشهيرة التي ظهرت بعد الميلاد.

ويحدثنا سفر القضاة بأنّ «المدينيين» والعمالقة وبنو المشرق، كانوا ينتزعون ما بأيدي الإسرائيليين من غلّة زراعة وماعندهم من ماشية ويغيرون عليهم. كانوا يأتون إليهم بخيامهم «كالجراد في الكثرة، وليس لهم ولجمالهم عدد» حتّى ذلّ الإسرائيليون. وأصل المدينيين من جزيرة العرب، استقروا بأرض «مدين» جاءوا إليها من الحجاز، وأخذو يغزون العبرانيين. ومنها هذه الغزوات التي يرجع بعض الباحثين تأريخها إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر قبل الميلاد. أمّا العمالقة وبنو المشرق، فإنهم مثل المدينيين من قبائل العرب.

  • هزيمة الحلف الذي يضمّ العرب:

أولى الإشارات للعرب في الكتابات الآشورية هي التي وردت في كتابات الملك «شلمنصر الثالث» ملك آشور. كان هذا الملك هو أوّل من أشار إلى العرب في نصّ من النصوص التاريخية التي وصلت إلينا. فقد سجّل نصراً حربياً تمّ له في السنة السادسة من حكمه. ضدّ حلف ألّفه ملك «دمشق» وعدد من الملوك الإرميين الذين حكموا المدن السورية، وملك إسرائيل ورئيس إمارة عربي اسمه «جندب». ولم تكن كلمة عرب تستخدم بعد كوصف لمجموعة عرقية من بدو وحضر، بل كدلالة على أهل الوبر. وكان حتّى العرب أنفسهم يستخدمونه بهذا الشكل. وأمّا دول العرب من غير أهل الوبر فتدعى باسم القبيلة فيها أو باسم المدينة التي تقطنها.

كان ملك دمشق «بيرادري» المعروف باسم «بنهدد» في التوراة قد هاله توسّع الآشوريين وتدخلهم في شؤون الممالك والإمارات الصغيرة. ولا سيما بعد تدخلهم في شؤون مملكة «حلب»، وخضوع هذه المملكة لهم بدفعها الجزية واعترافها بسيادة آشور عليها. فقام للوقوف بوجه الآشوريين بتأليف حلف من الملوك السوريين وسادات القبائل العربية. وانضمّ لملك دمشق «آخّاب» ملك إسرائيل، وأمراء الفينيقيين. فكان مجموع من استجاب لدعوته اثنا عشر ملكاً من ملوك سوريا، و«جندبيو» ملك «العرب»، وقد أمدّ الأخير الحلف بألف جمل وبالمحاربين.

وعند مدينة «قرقر» الواقعة شمال حماة، وقعت الواقعة وتلاقى الجيشان: جيش آشور ضدّ جيش الحلف الذي يجمع بينه بغضهم الشديد للآشوريين. وتبعاً لرواية ملك آشور فقد تجمّع ألوف من جيوش الحلفاء واشتركت في المعركة مئات من المركبات. أمّا النصر فكان حليف «شلمنصر» الذي أوقع بهم خسائر كبيرة وغنم منهم غنائم كثيرة. فهرب الجميع وانحلّ العقد ورجع ملك آشور لبلاده ليخلّد انتصاره في كتابة ليقف عليها الناس.

  • جندب العربي ومملكته:

بعض ما قاله شلمنصر في كتابه: قرقر أنا أتلفتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار. 1200 عجلة، و1200 فارس، و20000 جندي لهدد عازر صاحب إرم… ألف جمل لجندب صاحب العرب… هؤلاء الملوك الاثنا عشر الذين استقدمهم لمساعدته…». ويلاحظ أنّ الأرقام غير مضبوطة بالنسبة لتلك الأيام. لكنّ الملوك الأقدمين تعودوا المبالغة في ذكر الأعداد والتهويل في تدوين أخبار المعارك والحوادث. وهي عادة قديمة نجدها عند غير الآشوريين دون شك.

إنّ جندب هذا من الأسماء العربية المعروفة. لم يشر شلمنصر إلى أرضه والمكان الذي كان يحكمه. غير أنّ القرائن تدلّ على أنّها كانت في أطراف البادية. ويرى الباحث «موسل» بأنّها كانت تقع في مكان ما جنوب مملكة دمشق. وهو في الغاب كان ملكاً على غرار الملوك سادات القبائل مثل ملوك الحيرة والغساسنة. حكم قبائل خضعت لحكمه وسلطانه. وكان يأخذ الإتاوات من الحكومات الكبيرة مقابل حماية حدودها من الغارات والاشتراك معها في الحروب.

وقد أبلغنا شلمنصر (858 – 824 ق.م) أيضاً بأنّه زحف نحو الجنوب نحو أرض «كلدو»، أي أرض الكلدانيين. فاستولى عليها وتوغل بعد ذلك نحو الجنوب حتى بلغ «البحر المر» أو «البحر المالح»، أي الخليج العربي، فقهر كلّ السكان. ويظهر أنّه بلغ حدود الكويت الحالية فاتصل بذلك بجزيرة العرب وبقبائل عربية ساكنة في هذه الأراضي.

  • أسماء عربيّة أخرى…

في السنة الثالثة من حكم «نغلث بيلاسر» (745 – 727 ق.م)، دفعت ملكة عربية اسمها «زبيبي» الجزية لهذا الملك. وكانت زبيبي تحكم العرب، ولم يتحدث النص الذي سجل هذا الخبر عن مكان الأعراب أتباع «زبيبي». وقد ذهب الباحث موسل إلى أنّ المكان هو «أدومو» أي دومة الجندل. وذهب أيضاً إلى أنّ الملكة كان كاهنة على قبيلة «قيدار»، وأنّ «زبيبي» هو تحريف لاسم زبيبة، وهو من الأسماء العربية المعروفة.

ويحدثنا هذا الملك بأنّه قهر ملكة عربية أخرى اسمها «سمسي» أو «شمسي». وأنّه اضطرها إلى دفع الجزية بعد أن تغلبت عليها جيوش آشور. وتقول الرواية بأنّها حنثت بعهدها للإله الآشوري العظيم شماش، فانتصر عليها. وأنّها خضعت واستسلمت وأدّت الجزية جمالاً ونوقاً. ويبدو بأنّها انضمت لملك دمشق في معارضة الآشوريين وتعرضت لقوافل آشور، فجهز عليها الملك حملة عسكرية تغلبت عليها. وقد عيّن الملك «قيبو» أي مقيم أو مندوب سامٍ لدى بلاطها لإرسال التقارير والمشاهدات للملك وتوجيه سياساتها وفقاً لإرادة آشور. والغالب أنّ اسم الملكة هو «شمس» وقد تمّ تحريفه.

وقد ذكر الآشوريين وتفاخروا بإخضاع الكثير من المدن والإمارات التي قطنها عرب. وربّما أشهرها هي «تيما»، وهي ذاتها «تيماء» المذكورة في التوارة والمعروفة حتّى في الإسلام. وتقع على الطريق التجاري الخطير الذي يربط العربية الجنوبية والحجاز والشام والعراق ومصر، ثمّ بمواني البحر المتوسط. كما عرف عن التيمائيين اشتغالهم بالتجارة، فلعلهم دفعوا الجزية لآشور حفظاً لمصالحهم وكي يسمحوا لهم بمرور تجارتهم في الطرقات الخاضعة لسيطرتهم.

وقد يكون أشهر وأقدم عربي عمل لصالح مملكة كبرى هو شخص اسمه «إديبئيل». وقد ذكر النص بأنّه عربي عينه الملك الآشوري والياً على «مصري»، وجعل تحت تصرفه 25 موضعاً من «عسقلان». وهذا الشخص في الغالب هو أحد الشيوخ الأقوياء على إحدى قبائل «طور سيناء»، وكان له سلطان واسع. فاستعان به الآشوريون ليحفظ لهم الحدود ويحميها ويحفظ مصالحهم وأمن قوافلهم.

ربّما على أدعياء الثقافة الذين يريدون اجتزاء تاريخ المنطقة أن يهتموا بتوسيع قراءاتهم قليلاً…

إعداد: عروة درويش

المراجع:

جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام في 10 أجزاء

حسين مروّة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية في 6 أجزاء

موسيل، الصحراء.

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *