fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / حضارات / مارس إله الحرب عند الرومان

مارس إله الحرب عند الرومان

نحن مقبلون على شهر مارس/آذار، وهو الأمر الذي حرّك فيّ الفضول المعرفي للسؤال: من هو مارس هذا؟. لكنّ إجابة أنّه إله الحرب عند الرومان وامتداد للأساطير السابقة له، وخاصّة الأسطورة الإغريقية عن الإله آريس لم تكن كافية. وللحق، يبدو بأنّ الإبداع البشري قد وصل في مارس، وخاصة في حقبة متطورة من التاريخ مثل الحقبة الرومانية، إلى درجة عالية. وهذا الإبداع كان لا بدّ أن يسحب معه طقوساً غريبة. إنّ قصّة مارس ممتعة بحق: فيها سيوف وحبّ وقتال وخيول مقطوعة الرأس…

وتبدو واضحة مكانة مارس في الزمن المعاصر في إطلاق اسمه على أقرب الكواكب إلى عقول خيالنا العلمي: المريخ. ويقول البعض بأنّ كوكب المريخ «Mars» قد سمي تيمناً باسم إله الحرب للونه الأحمر وارتباطه بالدم. من يعلم، قد يكون الأمر على هذا النحو، ويقد لا يكون.

  • للحرب وآلهها مرتبة متقدمة 

ان مارس هو إله الحرب وكذلك حارس الزراعة والمزارعين، وصاحب المركز الثاني في بانتيون الآلهة الروماني بعد ربّ الآلهة جوبيتر. ورغم أنّ أغلب الأساطير حوله مستقاة من أساطير الإغريق حول إله حربهم آريس، فقد تمتّع مارس ببعض الصفات الرومانية الخالصة. يجب علينا أن نأخذ بالاعتبار عقلانيته وهدوئه بالمقارنة مع آريس الأكثر اندفاعاً وتدميراً. كما أنّ الرومان كانوا ينظرون إلى مارس بوصفه شخصية فاضلة أكثر ليعكس الشعور بالحمائية والدفاع لديهم، فقد كان حامياً لروما وللطريقة الرومانية بالحياة ومدافعاً عن حدود المدينة وجبهاتها، وكانت تقام على شرفه احتفالات هامّة متصلة بالحرب. وكان هذا الإله مرتبطاً بشدّة بالذئب وبنقار الخشب.

تمّ النظر إلى مارس على أنّه والد رومولوس وريموس، التوأمان الأسطوريان مؤسسا روما. وتبعاً للأسطورة، فقد اغتصب مارس والدتهما عذراء فيستال ريا سيلفيا أثناء نومها، وشاهدت في أحلامها رؤية بأنّها ستسقط دبوس شعرها على الأرض، ومنه نبتت شجرتين توأمتين. ومع مرور الوقت نمت إحدى هاتين الشجرتين لدرجة كبيرة جداً غطّت فيها بظلالها كامل العالم، وهي الإشارة على النجاح الساحق لرومولوس ولنموّ الإمبراطورية الرومانية الهائلة.

  • أحبيني يا مينرفا

وهناك أسطورة أخرى رومانيّة خالصة تتعلّق بإله الحرب، إنّها زواجه بآنّا بيرينا. تمّت إعادة سرد القصة في «الاحتفالات» لأوفيد، وتبدأ القصّة بوقوع مارس في غرام شخصيّة ليست أقلّ منه هي مينرفا، لكنّها وهي إلهة الحكمة والمهن العذراء لم تنبهر بغرامه، ورفضت انطلاقته العاطفية. وبينما كان مارس يفكّر بكيفيّة كسب قلب مينرفا، طلب إلهة الزمان والأعوام الجديدة المسنّة: آنّا بيرينا. بأيّ حال، حلمت آنّا بيرينا بإله الحرب الوسيم لنفسها بشدّة، ولهذا خانت مارس عبر التنكر بهيئة مينرفا بارتدائها لقناع، وقامت بخداع مارس فتزوجها. وكان يتمّ الاحتفال بيوم المكر الأنثوي هذا في روما في اليوم الخامس عشر من شهر آذار، حيث تقوم الشابات بغناء أناشيد غير محتشمة.

سُمي شهر مارتيوس (وهو ذات شهر آذار-مارس) تيمناً بالإله. وتمّ الاحتفال بأعياد هامّة، عادة ما تكون مرتبطة بالتحضير والإعلان عن حملات عسكرية، على شرف الإله في آذار وتشرين الأول، وكان كهنة مارس هم من يتولون الطقوس: «فلامن مارتياليس flamen martialis». قد تكون تلك الشعائر مرتبطة أيضاً بالزراعة، لكنّ طبيعة دور مارس في هذا المجال من حياة الرومان لا يزال محلّ خلاف بين الباحثين. كان أوّل احتفال في العام في الحقيقة يقام في السابع والعشرين من شباط هو «إيكيريا» الأول، ثمّ يتبعه آذار النشيط. كان هناك احتفال «فيريا مارتي» الذي أقيم في الأوّل من آذار (وهو رأس السنة القديم)، والإيكيريا الثاني في الرابع عشر من آذار، ثمّ الأغونيوم ماريتال في السابع عشر، والكوينكوارتوس في التاسع عشر (وفي أوقات لاحقة ستأخذ مينرفا دور مارس). كانت تفاصيل هذا الاحتفالات في بعض الأحيان متنوعة، لكنّ معظمها متصل بالحرب وبأدوات المعارك.

  • طقوس التمجيد

كان «التيوبيليوستريوم» يضمّ سلسلة من الطقوس لتطهير وتمجيد أبواق النفير، بينما كانوا في الإيكيريا يتضرعون لبقاء الجميع سالمين على خيولهم أثناء الحملات. وكان قادة الجيش قبل مغادرتهم روما يقيمون طقوس هامّة أخرى، فيهزون الرماح المقدسة للآلهة التي كانوا يحتفظون بها في «ريجيا». فكان الجنرال يصرخ باسم مارس، ويطلب منه النصر السهل والسريع.

وكانوا يشركون مارس في احتفالات غير حربية مباشر عندما تمجّد الشعائر ثالوث الآلهة الذي يضمّ مارس نفسه وجوبيتر وكيرينوس. ففي الأول والتاسع والثالث عشر من آذار، كان كهنة هذا الثالوث المقدس: «السالي»، يغنون الأناشيد ويرتدون دروعاً برونزية ينقش عليها شخصيات التروس الثمانية القديمة. وكان مارس يحتلّ مكانة مركزية أيضاً في احتفالات إيكوس التي تقام في الخامس عشر من تشرين الأول. وكان يقام في هذا العيد سباق خيول في «الكامبوس مارتيوس» في روما. وكان الخيّال المنتصر في هذا السباق يتلقى شرفاً رفيعاً أمام العامّة، لكن لا يمكن قول ذات الشيء عن الحصان الذي يفوز بالسباق، حيث كان يضحى به بقطع رأسه بعد تتويجه بالسباق. أخيراً كان هناك احتفال «أرميلوستريوم» في التاسع عشر من تشرين الأول، وكان يقام في «الأفينتاين» حيث تتطهر الأسلحة قبل تخزينها بعيداً لحفظها من الشتاء.

كما أنّ هناك نسخاً أخرى للإله مارس ارتبطت بالسلتيين. وهم القبائل التي استوطنت بريطانيا أثناء الحكم الروماني لها. وكان مارس السلتي يسمّى بالإضافة لمارس باسم القبيلة أو المكان الذي ساد فيه. أمثال مارس سيغومو ومارس تيوتاتس ومارس ريغونميتيس ومارس نيتون ومارس مولو…الخ

وهنا علينا أن نختم بأن نتمنى أن يكون مارس القادم ناجحاً في الانتصار على مشاكلنا، بمثل نجاح مارس الروماني بالبقاء كلّ تلك الفترة متسيداً كإلهٍ للحرب والانتصارات.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

مارك كارترايت، الحرب في العالم القديم، 2017

اقرأ ايضا

موسم الربيع و طقوس استقباله حول العالم

وجاء الربيع بأجوائه المبهرة ومناخه الساحر وطقوسه المبهجة، فالشمسُ الساطعة والأشجار المزهرة والطبيعة الفاتنة جعلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *