fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / منوعات / أساطير النطاف 1 التنافس

أساطير النطاف 1 التنافس

قبل أن يتمكن العلم من إلقاء الضوء على تكاثر البشر. ظنّ معظم الناس بأنّ الحياة الجديدة تنشأ بشكل عفوي عبر المادّة غير الحيّة. تغيّر هذا الأمر إلى حدّ صغير في منتصف القرن السابع عشر. تمكن الفلاسفة الطبيعيون «بالكاد» حينها من رؤية البويضة أو البيضة الأنثوية بالعين المجردة. ظنّوا بأنّ كامل الحياة وجدت منذ لحظة الخلق المقدس. شـخصاً داخل شـخص، محفوظين ضمن البيوض على نمط الدمية الروسية ماتريوشكا. وقد لاءمت رؤية التكاثر من هذا المنظار، والتي سميت التكوّن المسبق، النخب الحاكمة أيضاً.

فكما لاحظت الكاتبة وعالمة الأحياء التنموية البرتغالية كلارا بينتو-كوريا في كتابها «مبيض حواء» عام 1997. «أدّى التكوّن المسبق وظيفة مبدأ المبرر السياسي غير الديمقراطي الذي شرعن بشكل ضمني نظام السلالات».

ويظنّ المرء بأنّ تطوّر العلوم سـحق نظرية الدمية الروسية من خلال عدساته البيولوجية الواضـحة، لكن لم يحدث هذا بشكل دقيق. فرغم أنّ الميكروسكوب مكّن أخيراً الباحثين من رؤية البويضة وفوقها رؤية النطاف. تحوّلت نظريّة التكوّن المسبق إلى فكرة سياسية جديدة أكثر بطريركية-أبوية حتّى. فبعض الفلاسفة والتلاميذ يقولون عند الحديث عن التكاثر بأنّ البيضة بالكاد تلعب دور مُستقبِل سلبي تنتظر قدوم النطفة القويّة لتطلق التطوّر. وماذا عن النطاف؟ تحتوي كلّ واحدة منها في رأسها على بشر متشكّل. تحديداً «أُنيسان homunculus = إنسان قزم جدّاً». رسم الفيزيائي والرياضي الهولندي نيكولاس هارتسويكر، مخترع ميكروسكوب برغي البرميل، صورة «الأُنيسان» عندما أصبحت النطاف قابلة للرؤيا لأول مرّة في 1695. أقرّ هارتسويكر بأنّه لم يرَ أيّ «أُنيسان» في رأس النطفة، لكنّه أقنع نفسه رغم ذلك بأنّه موجود هناك.

  • مضيعة!

ثمّ أتت في نهاية المطاف الميكروسكوبات الأقوى لترمي «الأُنيسان» في مزبلة التاريخ، لكنّ بعض الأشياء لم تتغير بطريقة أو بأخرى. فقد نجا إرث «الأُنيسان» مع القناعة الباقية بعناد بأنّ البيضة مجرّد متلقٍ سلبي في التلقيح. وبأنّها تنتظر النطفة النشطة لتسبح في عاصفة من المنافسة من أجل الوصول وإدامة الحياة. يمكننا لسوء الحظ أن نفهم تبني العامّة لمثل هذه النماذج والاستعارات التمييزية الخاطئة، لكنّ علماء الأحياء والفيزيائيين مذنبون بهذا التبني كذلك.

وفقط في فترة حديثة نسبياً في عام 1991، أي بعد زمن طويل جداً من ركود العلم الحقيقي، تغيّر ذلك. جاءت عالمة الإنسان إيميلي مارتن ووصفت هذا الأمر بأنّه «خرافة علمية». نتحدث هنا عن الصورة المرسومة للبيضة والنطفة والتي تشير إلى كون «العمليات البيولوجية الأنثوية أقلّ أهميّة من نظيراتها الذكورية». وعن أنّ «النساء أقلّ أهميّة من الرجال». فعلى سبيل المثال: يتم تصوير المبيض بأنّه ينتج عدداً محدوداً من البويضات المبتدئة التي يتم استنزافها على مدار العمر. بينما يقال بأنّ الخصيتين تنتجان نطافاً جديدة على مدار الحياة. توصف عمليّة إنتاج البويضات البشرية بشكل شائع بأنّها «مضيعة». لأنّه من بين 300 ألف خلية بويضات مبتدئة موجودة عند البلوغ سيطلق ما لا يزيد عن 400 بيضة ناضجة.

رغم ذلك فنادراً ما يتم استخدام ذات الصفة على إنتاج الذكور للنطاف على مدى الحياة والذي يصل إلى أكثر من 2 ترليون نطفة. وسواء في الإعلام العلمي أو الشعبي، يتمّ إظهار التزاوج البشري عموماً على أنّه ماراثون هائل للسباحة حيث تفوز النطفة الأسرع والأدهى بجائزة تلقيح البويضة. لو كانت هذه الرواية مجرّد فكرة مستبدة من ماضينا المميز جنسياً (مجرّد خيال ذكري مسيء يستند إلى علم غير صحيح)، لكان الأمر سيئاً كفاية. لكنّ الاستمرار في تبني معلومات منحازة يعيق علاجات التلقيح الحاسمة لصالح المرأة والرجل على السواء.

  • التصويب:

إنّ أوّل مُشاهد للنطاف البشري هو العالم الهولندي المبتدأ أنطوني فان ليونهوك في عام 1677. ثمّ في 1827 أعلن عالم الأحياء الألماني كارل إرنست فون بير عن مشاهدة بيوض البشر وغيرها من الثدييات. بقي الكثيرون لأعوام يعتقدون بأنّ النطاف هي طفيليات تعيش في سائل البشر المنوي. ثمّ في عام 1876 أظهر خبير علم الحيوان الألماني أوسكار هيرتويغ التحام النطفة بالبيضة لدى قنافذ البحر.

ثمّ كشفت الميكروسكوبات القويّة بأنّ وسطيّ قذفة الإنسان من سائل منوي بحجم نصف ملعقة شاي يحتوي على قرابة 250 مليون نطفة. لكن بقي السؤال الرئيسي دون إجابة: لماذا هناك كلّ هذا العدد؟ فقد أظهرت الدراسات حقيقة أنّ معدلات الحمل تميل للانخفاض فقط عندما تحتوي قذفة السائل المنوي على أقلّ من 100 مليون نطفة.

إذاً وبوضوح فإنّ كميّة النطاف المطلوبة في قذفة السائل المنوي هي نصف الموجودة وسطياً لدى البشر، فما هو التفسير؟

  • البحث عن إجابات:

إنّ التفسير المفضّل والشائع لهذا هو «تنافس النطاف» النابع من المفهوم الذكوري-الشوفيني لتسابق النطاف من أجل التلقيح. وهو الذي تضاف له دوماً ذريعة أنّ أكثر من ذكر قد يكونون مشتركين في العملية. إذاً الأمر كما في اليانصيب: كلما زاد عدد التذاكر التي تشتريها، كلما كانت احتمالية فوزك أكبر. ويذهب التفكير إلى الأبعد ليصل إلى أنّ الانتقاء الطبيعي هو من يزيد عدد النطاف إلى الذروة كنوع من سباق التسلح للحصول على جائزة التلقيح.

إنّ الأمثلة الصارخة على تنافس النطاف موجودة بشكل وافر في مملكة الحيوان بكل تأكيد. فأقرب أنسبائنا الشمبانزي يعيشون في وحدات اجتماعية تحتوي على بضعة ذكور بالغين ينخرطون بشكل مستمر في علاقات مفتوحة. حيث تتزاوج الإناث بشكل مستمر مع عدّة ذكور. تعكس سمات عديدة، ومن بينها الخصى الكبيرة، مستوى عالياً من إنتاج النطاف في هذه الأنواع من الثدييات. فالسمات إضافة للخصى الكبيرة هي أنّ لديها إنتاج نطاف سريع وعدد نطاف مرتفع ومنطقة وسطى في الحيوان المنوي أكبر. «تحتوي على عدد هائل من مولدات الطاقة المتقدّرات Mitochondria من أجل الدفع». وقنوات ناقلة للنطاف ذات بنية عضليّة وحويصلات منوية كبيرة وغدد بروستات وعدد كبير من خلايا الدم البيضاء. «لتحييد مسببات الأمراض المنقولة جنسياً». تنتج الحويصلات وغدّة البروستات معاً سائلاً منوياً يمكنه أن يتخثر ليشكل سدّاً في المهبل يعيق بشكل مؤقت دخول ذكور آخرين.

  • الإسقاط غير المحق

يُسقط الرأي الشائع والعديد من العلماء ذات سيناريو النطاف على البشر، لكنّ الأدلة تشير إلى اتجاه مختلف تماماً. ففي الواقع ورغم المزاعم الصارخة فليس هناك دليل مقنع على أنّ الرجال قد تكيفوا بيولوجياً مع تنافس النطاف. فقصّة وفرة النطاف لدى الشمبانزي الذي يتزاوج بشكل مفتوح تتناقض مع ما نراه لدى أنواع مختلفة من الرئيسات بما فيها البشر.

تعيش الكثير من الرئيسات في مجموعات حيث هناك ذكر تلقيح واحد يفتقد للمنافسة المباشرة ولديه خصيتان صغيرتان نسبياً. فضمن جميع المقارنات النسبية يبدو البشر كنوع من الرئيسات يميل للعيش في نمط وحيد الذكر، ويتضمن ذلك الأسرة النواة النمطية. إنّ خصى البشر هي بحجم جوزة، ويبلغ حجمها ثلث حجم خصى الشمبانزي التي بحجم بيضة دجاج. علاوة على ذلك، يحوي سائل الشمبانزي المنوي بشكل مذهل على عدد قليل من النطاف غير الطبيعية. في حين أنّ سائل البشر يحوي على كميات كبيرة من النطاف الفاشلة. يبدو بأنّ معايير الجودة في سائل البشر المنوي قد باتت ليّنة في غياب المنافسة المباشرة للنطاف.

وبالنسبة لنوع غير معرّض بشكل مستمر للمنافسة المباشرة للنطاف، فإنّ التفسير البديل الواعد الوحيد لعدد النطاف المرتفع ذو علاقة بالتنوّع الجيني. ففي عدّة أوراق بحثية نادرة منشورة منذ أربعة عقود، لاحظ عالم الأحياء جاك كوهـين من جامعة بيرمنغهام شيئاً ما. هو وجود ارتباط بين عدد النطاف وبين توليد نسـخ الكروموسومات أثناء إنتاج النطاف. فأثناء الانقسام المنصّف «Meiosis». وهو النوع الخاص من الانقسام الخلوي الذي ينتج خلايا جنسية. تتبادل أزواج من الكروموسومات كتلاً من المادة من خلال التصالب. والذي اكتشفه كوهن هو أنّ أعداد النطاف تتزايد بالتزامن مع عدد التصالبات أثناء إنتاجها. تزيد التصالبات من التنوّع وهو الجوهر الأساسي للمادة من أجل الانتقاء الطبيعي. فكّر بإنتاج النطاف بوصفه نوع يانصيب حيث يتم طباعة عدد كافٍ من البطاقات (النطاف) لتطابق جميع الأرقام المتاحة (تركيبات جينية مختلفة).

إعداد: عروة درويش

المراجع:

روبرت مارتن، كيف فعلناها، 2013

إيميلي مارتين، البيضة والنطاف، دراسة،1991

سيرا لورنس، مشروع موسوعة الأجنّة، 2008

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *