fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / منوعات / الأكراد والسياق التاريخي لقضيتهم…

الأكراد والسياق التاريخي لقضيتهم…

نقرأ ونسمع يومياً الكثير من المغالطات فيما يخص «القضيّة الكرديّة»، سواء القضيّة التي ينادي بها القوميون «الانعزاليون» الذين يعتقدون بوجود كيان قومي متمايز عن الجميع قوامه الكرد ويرون في الكيان الإسرائيلي نموذجاً يودون لو يتمكنون من محاكاته (وسنجد في ترامب وإدارته حالياً خير داعمين لهؤلاء)، أو القضيّة التي ينادي بها الأكراد الذين يدركون بأنّ فكرة الكيان المنعزل مجرّد أجندة شريرة تريد تخريب بلادهم ولهذا فهم ينادون بتطوير مواطنتهم في الدول التي ينتمون إليها بما يتناسب مع مفاهيم المواطنة العصرية.

ينتج عن الجدالات بهذا الشأن الكثير من الإرباك، ذلك أنّ معظم اللاعبين والمراقبين المعاصرين يحتشدون حول رؤية غير تاريخية لهذه القضيّة وللقضايا المتصلة بها. لقد جُعل حقّ الشعوب في تقرير المصير حقّاً مطلقاً وذلك تبعاً لاتفاق دول العالم عبر الأمم المتحدة، لينطبق على جميع الناس في الحاضر والمستقبل، وحتّى في الماضي. يتمّ اعتبار هذا الحقّ أحد الحقوق الجمعيّة الجوهرية، وبات يحظى بشهرة تفوق غيره من الحقوق الجمعية المعترف بها (الحقّ بالعمل وبالتعليم وبالرعاية الصحيّة وبالمشاركة السياسية…الخ). لكن لم يتمّ تحديد مواضيع تطبيق هذا الحقّ المطلق بشكل دقيق. فمحلّ هذا الحق يمكن أن يكون أيّ «مجتمع محلي» أو أغلبيّة أو أقليّة ضمن حدود دولة أو إقليم، كمجتمع يعرّف نفسه بكونه «مميزاً» بلغته أو دينه على سبيل المثال، ويدعي سواء عن حقّ أو باطل، بأنّه ضحيّة تمييز أو قمع.

إنّ المنتفعين الذين يدافعون عن انعزالية القضيّة الكردية، أو المنتفعون الذين يشتمونها، همّ سيّان في التحلل من التاريخ ومن الدراسة المنهجية له. ولهذا سنحاول أن نقطع خطوة في محاولة فهم السياق التاريخي لما يسمّى «بالقضيّة الكردية»، أملاً في لعب دورنا كإعلام مستقل يسعى للحقيقة.

إنّ الإمبراطوريات في العالم القديم تختلف بشكل جوهري عن الإمبراطوريات التي نشأت وتمددت في العصر ما بعد الإنتاج الرأسمالي. فنمط الإنتاج الرأسمالي الذي بدأ رسمياً مع العنفة البخارية، كان قادراً على إطلاق «إمبراطوريات» مختلفة بشكل جذري من حيث العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية التي تحكمها وتسودها.

اتخذت المنظمات السياسية في العوالم القديمة صيغاً متنوعة، منها التي تؤهلها بُنى السلطة التي امتدت على مساحات جغرافية شاسعة لتحمل صفة «إمبراطورية»، ومنها المَلكيات الأصغر والأقل مركزيّة. ولن أطيل في موضوع يحتاج لأكثر من مقال، وسأكتفي بالإشارة إلى بضعة بُنى إمبراطورية سادت منطقتنا: الإمبراطوريتان الرومانية والبيزنطية، والخلافة العربيّة-الفارسيّة، والإمبراطورية العثمانية.

تتشارك هذه الإمبراطوريات في سمتين رئيستين:

  1. فقد ضمّت بالضرورة، تبعاً لمساحاتها الجغرافية الشاسعة، شعوباً ومجتمعات محليّة متنوعة من حيث اللغة والدين وأنماط الإنتاج والحياة الاجتماعية.
  2. لم يكن نمط الإنتاج الرأسمالي، وهو الذي له سماته المميزة، هو المنطق الذي حكم إعادة إنتاج الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بل ما يعرف باسم «الإقطاع».

ولا يمكن لمن قرأ الفلسفات «الخيالية» من مثل أحاديث صامويل هانتغنتون عن صراع الحضارات أو نظريّة بول كينيدي الشهيرة عن سقوط الإمبراطوريات، أن يتقبل عقله المنطقي التحليلات الشمولية غير العلمية التي تعتبر بأنّ كلمة «إمبراطورية» كفيلة بالتعبير عن جميع بُنى السلطة التي سادت في أقاليم الشرق الأوسط والصين وغيرها من الإمبراطوريات القديمة، وكذلك عن الإمبراطوريات الاستعمارية المباشرة مثل بريطانيا وفرنسا، وكذلك عن الإمبراطوريات التي لا تملك مستعمرات صريحة مثل الولايات المتحدة.

C:\Users\Orwa\Desktop\January_Suchodolski_-_Ochakiv_siege.jpg

ولأنّ الإمبراطورية العثمانية هي المعني المباشر بالقضيّة الكردية التي نريد تسليط الضوء عليها في مقالنا، فهي التي تهمنا. تنتمي الإمبراطورية العثمانية إلى التصنيف الإقطاعي ما قبل الرأسمالي. ووسم الإمبراطورية العثمانية بأنّها تركية فقط، وبأنّ الشعوب داخلها كانت تملك انتماءات «قوميّة» بالمعنى المعاصر للكلمة، هو أمر يجانب الصواب وملفّق. فرغم أنّ القبائل التركيّة شبه البدوية التي قدمت من آسيا الوسطى قد لعبت دوراً فعالاً في تدمير كلا الإمبراطورية البيزنطية وإمبراطورية الخلافة في بغداد، فإنّ سلطان العثمانيين قد امتدّ إلى أبعد بكثير من الأتراك ليضمّ أقاليم يقطنها الأرمن والكرد والعرب واليونان والسلافيين.

فقد كانت جميع الشعوب في الإمبراطورية العثمانية – الترك وغيرهم – عرضة للاستغلال والقمع بشكل متماثل. فالغالبية العظمى من الفلاحين كانوا عرضة لذات سياسة الضرائب الثقيلة، والجميع كانوا محكومين من ذات السلطات التي يشكل الإقطاع المحلي جزء منها. وما التمييز الصارخ ضدّ الشعوب بناء على انتمائها الديني أو العرقي والذي حصل في أواخر أيام الإمبراطورية العثمانية إلّا نتاج عوامل أخرى متعلقة بأنماط الإنتاج الجديدة في هذه المجتمعات المحليّة (مثل البرجوازيات الوكيلة الصغيرة التي انقلبت على النظام الإقطاعي السائد في الإمبراطورية العثمانية، والتي انتشرت بين الأرمن واليونان وقسم من سكان بلاد الشام) وبحركات التحرر المتأثرة بها، وهذا مجال بحثٍ آخر لن ندخله الآن.

وكما قلنا فهذه السمات ليست حكراً على الإمبراطورية العثمانية وحدها، بل هي سمة لجميع إمبراطوريات عصرها مثل الإمبراطورية النمسو-هنغارية، أو حتّى الإمبراطورية الإثيوبية التي كانت نخبتها الحاكمة من مجموعة الأمهارا العرقية، والذين لم تتم معاملة الفلاحين منهم بشكل أفضل من الإريتريين على سبيل المثال.

ويفيد في سياق حديثنا عدم الخلط بين الإمبراطوريات القديمة من جهة، مثل الإمبراطورية العثمانية، وبين الإمبراطوريات الاستعمارية-الإمبريالية الحديثة، مثل بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة، في تجنّب الوقوع ضـحيّة للدعايات غير التاريخية عن مسألة التمايز «القومي» (الكردي أو غيره) الذي لم يكن له وجود لا من قريب ولا من بعيد في ظلّ الإمبراطورية العثمانية. وليس مردّ ذلك أن الإمبراطورية العثمانية جيدة أو سيئة، بل مردّه أنّ تطورها والعلاقات بين شعوبها وبُنى السلطة فيها، لم يكن ليمنح مثل هذه الدعوات «الحديثة نسبياً» أرضيّة قابلة للحياة لتنمو عليها.

ظهرت الإيديولوجيات القوميّة داخل الإمبراطورية العثمانية في وقت متأخر عن إنشائها، فلم تتبدّى إلّا في القرن التاسع عشر، سواء في البلقان أو في سوريا أو بين الأرمن، أو في وقت لاحق بين ترك روميليا كردّ فعل على تشكّل الحسّ القومي لدى البقيّة. ولم يكن هناك أدنى إشارة في حينه على ظهور القوميّة الكردية لأنّها نشأت في وقت متأخر كما سنرى في المقال رقم 2. ارتبط ظهور هذه القوميّات بشكل وثيق بالتمدين الحديث وبتحديث الإدارة الحكومية. فقد استطاع الفلاحون الاستمرار بالتحدث بلغتهم وبتجاهل الإدارة العثمانية، وهي التي لم تظهر في الأرياف إلّا لجمع الضرائب وتجنيد العسكر. لكن أصبح إتقان اللغة المكتوبة ضرورة يوميّة في المدن الحديثة، وخاصّة بين الطبقات الوسطى المتعلمة الناشئة. ومن هذه الطبقات الجديدة تجمّع جيل القوميين الأول بالمعنى المعاصر للكلمة.

فبالنسبة للقوميّة السوريّة-العربيّة والقوميّة البلقانيّة، وهي التي ظهرت في وقت لاحق بصيغ متواضعة متناسبة مع موقع البلدان التي خرجت منها في الخارطة الاقتصادية العالمية الجديدة، فقد انتصرت في نهاية المطاف وساعدت على إزالة الإمبراطورية العثمانية. لكنّ نقاط الضعف الخاصّة بهذه القوميات أجبر مؤيديها على اللجوء لمساعدة القوى الكبرى ضدّ الحكام العثمانيين. وهو الأمر الذي وضعهم فيما بعد أمام تحدّي الوقوع في هيمنة الإمبراطوريات الإمبريالية الجديدة: بريطانيا وفرنسا بالنسبة لمنطقتنا، وبريطانيا وروسيا وألمانيا بالنسبة للبلقان.

وبالنسبة للأرمن، فقد هُزم التجديد القومي الأرمني أثناء أحداث 1915. وقد تمزقت الدعوات القومية الأرمنية بين البرجوازيين الأرمن الجدد الذين هاجروا إلى الحواضر المدنية في روميليا (القسطنطينية وسميرنا وغيرها) من أجل شغل مناصب في مجالات الأعمال والتمويل الجدد، وبين الوجهاء الريفيين والفلاحين في الأراضي الأرمينية. ولم يزد إدماج جزء صغير من هذه الأراضي في الإمبراطورية الروسية إلّا من تعقيد الأمور بين الإمبراطورية العثمانية والقيصرية الروسية في حينه.

بقلم : عروة درويش

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *