fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / منوعات / العِرق المعتمد على اللون تصنيفٌ غير علمي

العِرق المعتمد على اللون تصنيفٌ غير علمي

مذ كنّا صغاراً ونحن نسمع سواء في المدارس أو في الجلسات «شبه المثقفة» بأنّ امتلاك البشر لجلد داكن هو ميزة تطورية. فيتم الافتراض بأنّ هذه السمة قد حمتهم من الأشعة فوق البنفسجية الخطيرة لإفريقيا القاسية. وحين انتشر البشر في القارات الأخرى حيث أشعة الشمس أقلّ كثافة، تطورت البشرة الفاتحة لتسمح بزيادة إنتاج فيتامين «د».

لكنّ دراسة نشرت في أواخر عام 2017 قامت بتوضيح الآليات الوراثية التي تحكم لون بشرة الإنسان. وبذلك أظهرت بأنّ التنوّع الجغرافي الفعلي للسكان الذين يملكون درجات لونية متنوعة لا تتلاءم مع السيناريو السابق البسيط. وكذلك كشفت الدراسة أنّ المفاهيم العِرقية القائمة على لون البشرة، وقدرتها أن تكون معياراً تمييزياً بين المجموعات، أمر لايمتّ للعلوم بصلة.

  • الميلانين والعنصرية الأوربية:

إنّ العامل الأساسي المؤدّي إلى التباين في لون البشرة هو اختلاف تركيز وأنواع صباغ الميلانين. ورغم هذا لم يكن هناك حتّى وقت قريب، فهم جيّد للأساس البيولوجي للكيفيّة التي يتحدد بها لون البشرة.

ومعظم الدراسات التي أجريت تناولت سكاناً أوروبيين، ممّا أدّى لمنحنا رؤية ضيقة جدّاً للنطاق الكلي للتغيّر. وباعتبار إفريقيا هي مهد البشريّة، فإنّ لديها أكثر الجينات البشريّة تنوعاً «.يفترض أنّ السكان هناك امتلكوا الوقت الأطول المطلوب للتغيّر الجيني من أجل التطوّر». لذلك تقدم الدراسة لنا بيانات مفيدة عن التغيّر الوراثي، بما في ذلك التأثير على لون البشرة.

وتمّ استخراج البيانات التي تمّ استخدامها في الدراسة الجديدة، من دراسة على 2092 متطوّع في تنزانيا وإثيوبيا وبوتسوانا. كانوا من ذوي خلفيات عرقيّة وجينيّة متنوعة. تمّ قياس لون البشرة وتحليل جينات 1570 شخص بشكل تفصيلي. نتج عن هذا العمل تحديد ستّة مناطق جينيّة ترتبط بمجموعها، بشكل وثيق بتحديد لون بشرة الفرد. وتمثّل مجتمعة نسبة 29% من التغيّر الملحوظ. لكلّ موضع جيني «أليلات» متنوعة «صبغيات وراثيّة متضادّة الصفات Alleles» مرتبطة بألوان البشرة المتمايزة. بدءاً من الأكثر بياضاً إلى الأدكن نسبياً. تمّ بعدها مقارنة هذه النتائج ببيانات جينيّة موجودة مسبقاً من سكّان من غرب إفريقيا وأوراسيا والميلانيز الأستراليين.

  • وعاء أوسع يعني حقائق جديدة:

تشير حقيقة أن 71% من الاختلافات هي غير محسوبة عبر الجينات التي تمّ تحديدها حتّى الآن. إلى أنّ تحديد الجينات للون البشرة هو أمر أكثر تعقيداً ممّا أظهرته الأبحاث السابقة. ومّما له دلالة أنّ معظم الاختلافات، سواء في الجلد الداكن أو الأبيض، قد حدثت في إفريقيا وليس خارجها. ومن المهم أيضاً أن نلاحظ بأنّ الجينات المحددة متواجدة في عدّة كروموسومات مختلفة، ممّا يشير إلى أنّ انتقالها لا يرتبط بالضرورة بالتكاثر.

تمّ اختبار أفعال الجينات المختلفة عبر إدخالها إلى مختبر الفئران وسمك حمار الوحش، وتمّت مراقبة النتائج. لننظر إلى النتائج التي تشير إلى تحكم جينات متعددة بلون البشرة، لكلّ منها مجموعة من المتغيرات. تظهر بشكل قاطع بأنّ لون بشرة أيّ فرد هو نتاج مزيج معقد من عوامل متعددة، تتفاعل مع بعضها البعض بشكل مثير للجدل. إنّ المظهر الخارجي لكلّ شخص «النمط الظاهري phenotype» هو التعبير عن التوازن الناجم عن مزج قمّة هذه الألوان الجينيّة «النمط الجيني genotype». علاوة على ذلك، قد لا يكون هذا ببساطة مجرّد عمليّة تجميعيّة. فالأمر يشبه الحال مع بقيّة السمات البيولوجيّة لدينا. قد تكون بعض الاختلافات الجينيّة، منفردة أو مجتمعة، مهيمنة في تعبيراتها على حساب أخرى. تلك المعروفة باسم «المتنحيّة recessive»، وهو ما يجعل النتيجة أكثر تعقيداً حتّى.

إضافة لتوضيح الآليات الجينيّة التي تحكم لون البشرة، فإنّ التحليلات تزودنا أيضاً بنظرة على التاريخ التطوري لهذه الآليّة. وفقاً للدراسة، فإنّ بعض هذه الاختلافات على الأقل هي قديمة جدّاً، حيث تطورت منذ مئات آلاف السنين. أمّا فيما يتعلق بالاختلافات المرتبطة بلون البشرة الأكثر بياضاً، فإنّ سبعاً منها على الأقل يعود عمره إلى 270 ألف عام. وأربعة تعود إلى أكثر من 900 ألف عام حتّى. وقد وُجدت واحدة من الاختلافات الأقدم في كلا الأوربيين وفي الصيادين-الجامعين في بوتسوانا.

  • آثار أخرى هامّة:

من الآثار الهامّة لهذا الاستنتاج أنّ هذه المتغيرات إمّا تتزامن مع ظهور البشر الحديثين، أو تسبقهم بشكل كبير. حيث حدث تطوّر البشر بين مائتين إلى ثلاثمائة ألف عام مضت. بعبارة أخرى، لطالما كانت الاختلافات المعقدة في لون البشرة جزءاً من التطور البشري لفترة طويلة جدّاً.

وهناك نتيجة أخرى: فبعض جينات لون البشرة قد تغيّرت بشكل ملحوظ مع مرور الوقت. فكما يبدو، هناك ثلاثة متغيرات مسؤولة عن إنتاج بشرة أدكن، قد تطورت عن نسخ لونيّة أكثر ابيضاضاً. وقد امتدّ تغيّر آخر إلى إفريقيا من الخارج، وهو الذي توطّن بشكل حديث نسبياً بين الناس في أوروبا والشرق الأوسط، ومن المحتمل أنّ ذلك تمّ بالارتباط مع هجرات المزارعين المبكرة.

ومن المرجّح أنّ مجموعة واسعة من تباينات لون البشرة قد تطوّرت بالأساس لدى مجموعة بشريّة صغيرة مبكرة. وهؤلاء تكيّفوا مع عدد هائل من البيئات المحليّة، وتأثّروا بالكثير من العناصر المختلفة المختارة. والتحركات السكانيّة اللاحقة التي امتدت على مئات آلاف السنين. متضمنة التزاوج المختلط بين البشر الحديثين والنياندرتال وربّما أنواع محليّة أخرى، إلى خلط وتعديل المجموعة الجينيّة. لتخلق مجموعة من السمات البدنيّة، التي كان للبيئة التي سكن حاملوها فيها بالنهاية تأثير جزئي فقط.

  • العِرق المبني على اللون بناء اجتماعي وليس علمي:

يعني تعدد الضوابط الوراثيّة للون البشرة عدم وجود فئات ثابتة يمكن تمييزها بناء على هذه السمة السطحيّة. تعكس المجموعة الهائلة من ألوان الجلد الموجودة حالياً عبر الكوكب، مجرّد لحظة في التغيّر المستمرّ. التغيّر الذي صحب التطور البشري على مدى ملايين السنين.

وكما هو الحال في العديد من الدراسات العلميّة الأخرى.: يؤكد هذا البحث من جديد بأنّ مفهوم العِرق البشري هو بناء اجتماعي لا أساس بيولوجي موضوعيّ له. فهؤلاء الذين ينظرون إلى لون البشرة كعلامة مميزة للتجمعات العرقيّة، ويربطونها بسمات أخرى كالذكاء والاختيار -.منهم من يفعل ذلك بشكل واعٍ أو غير واعٍ.- يتجاهل المجموعة الواسعة من الاختلافات الموجودة بين البشر المعاصرين. أظهرت الدراسة بشدّة بأنّ السيطرة الوراثيّة على لون بشرة شخص ما هو أمر معقّد للغاية، وعليه فهو غير قابل للتصنيف المبسط.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

كروفورد، ارتباط صباغ اللون بالسكان في إفريقيا، دراسة 2017

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *