fbpx
الجمعة , ديسمبر 6 2019
الرئيسية / منوعات / الموت حقيقة مطلقة خمسة أسياد للموت

الموت حقيقة مطلقة خمسة أسياد للموت

نتحدث مع أصدقائنا وأقاربنا عن المال والدراسة والحب والزواج وعن كلّ شيء، لكن ليس عن الموت.

قلّة منا من يجرؤ على مقاربة الموت دون خوف، بل ونستخدم أحياناً ألفاظاً تعبيرية تقليدية مثل: «كش برا وبعيد».

أذكر أني قرأت مرّة في مكان ما أنّنا لن نتصالح مع أنفسنا إن لم نحب الموت

بقدر حبنا للحياة.

وأذكر كذلك بأنّي قرأت بأنّ الموت هو بداية أخرى وأنّ الحياة تجربة

تمهيدية.

هذا الكثير الذي كتب عن الموت، لماذا لا نجد له صدى في أحاديثنا اليومية؟

لقد عبّرت الشعوب عن الموت بحسب تطورها التاريخي.

لكن لطالما حمل الموت في طياته معاني شعرية وأدبية صاغت التراث وكانت ملهمته.

فكانت الأساطير خير معبّر عن تشخيص الموت، ومنحه أسماء وشخصيات مستقلة تسهّل فهمه والتعامل معه.

وكما تقول الكاتبة الحائزة على جائزة بوليتزر إيلين غودمان، ومؤسسة منظمة «مشروع التحدّث» غير الربحية:

لقد حان الوقت لإخراج الموت إلى النور .

ولغودمان هذه حدث يروى مع الموت دفعها لإيجاد مؤسستها الهادفة لتحفيز الناس للانفتاح على الحديث عن خططهم لإنهاء حياتهم.

فقد جمعتها بوالدتها علاقة قويّة جداً، حيث اعتقدتا بأنّهما كانتا تتحدثان في كلّ شيء.

ثمّ عندما مرضت والدتها بشدّة، تلقت غودمان اتصالاً من الطبيب المشرف في المستشفى سألها:

«أصيبت والدتك بالتهاب رئوي، هل تريدين أن نحقنها بالمضادات الحيوية».

تجمدت غودمان، فقد أدركت بأنّها لا تعلم شيئاً عن رغبة والدتها في هذا الشأن.

  • القصّة الأولى – «موت» الكنعاني:

نبدأ عند سواحل المتوسط وبلاد الشام، عند الكنعانيين وإله الموت لديهم «موت».

كان الكنعانيون ينظرون إلى «موت» على أنّه ابن ملك الآلهة «إل».

وشكّلت منافسته مع إله الأعاصير «بعل» جزءاً من الدورة الأسطورية (وهي القصص التي يكون بعل بطلها والمتعلقة بالخصب) المكتشفة في موقع أوغاريت.

ورغم وجود نقص في المخطوطات التي تتحدث عن تفاصيل قصص «موت»،

فمن الواضح بأنّ «موت» قد ابتلع بعل قبل أن يمزقه وتفتح بطنه شقيقة الإله بعل، المحاربة «آنات».

بعد فترة يعود كلا الإلهين للحياة ويتابعان معركتهما الأزليّة قبل أن تتدخل إلهة الشمس «شاباش» وتقترح هدنة.

تحذّر «شاباش» «موت» من أنّ عليه أن يقبل الهدنة لأنّ ملك الآلهة «إل» قد يتدخل لصالح بعل.

ورغم عدم رغبتي في إفساد جمال القصّة الأدبي بأنّ أحللها منطقياً، فعلينا أن ننتبه لمسألتين:

الأولى: أنّ هذه القصص تستمر بالتطور في المنطقة بين الحضارات فتتعقد وتأخذ أسماء أخرى لكنّها تبقى واحدة في الجوهر،

فـ«موت» يستمر في لعب دور الإله عند الفينيقيين، ثم يتطوّر ليصبح ملاك الموت أو شيطانه لدى اليهود باسم «موث أو مفت أو موت».

وفي سِفري حوسيا وجيرميا لدى اليهود، فإنّ «موت» هو ملاك يقوم يهوه (الله) بتسليمه يهوذا ليعذبه عند عبادته آلهة أخرى.

الثانية: لأنّ لغتنا العربية قد استقت مفرداتها من لغات المنطقة كالكنعانية،

فيمكننا أن نرى بأنّ الكلمات الدالة على الموت والشمس وغيرها ذات وقع مألوف لدينا.

ومثل هذا التأثير لن يقتصر بالتأكيد على التراكيب اللغوية فقط، بل سينسحب إلى المحتوى بلا شك.

  • القصّة الثانية – ثاناتوس اليوناني:

إنّه ثاناتوس في الأساطير والديانات الإغريقية القديمة.

وثاناتوس هذا ابن نيكس (الليل)، وهو مثلها نادراً ما يتم تصويره وحيداً.

يظهر في بعض الأحيان في الفنون كشابّ له جناحان.

له أخٌ توأم يدعى هايبنوس، وهو إله النوم.

وكلا الشقيقان مسؤولان عن حمل ظلّ الميت وأخذه، يقودهما إله الطرقات هرمز، إلى نهر ستايكس.

وهناك يقوم المراكبي تشارون بقبض المبلغ الموضوع على عيني الميت لقاء إيصاله إلى عالم الموتى حيث يحكم الإله هيداس.

ولثاناتوس شقيقة تدعى كيريس، تشرب الدماء وتأخذ بثأر الأرواح التي ماتت بحوادث عنف،

ويتم تصويرها عادة بأنّ لديها مخالب وأنياب وترتدي لباساً مضرجاً بالدماء.

  • القصّة الثالثة – كاترينا الكالافارية في المكسيك:

تمثّل كاترينا الكالافارية الموت في الثقافة والفنون المكسيكية.

وهي أيقونة «يوم الموتى» المكسيكي، وهو الاحتفالية السنوية التي تركز على تذكر الموتى (كما في فيلم كوكو).

كما أنّ القديسة «مويرته» هي قديسة الموت في الديانة الشعبية المكسيكية.

ولفظ مويرته يعني الموت لدى جميع الدول الناطقة بالإسبانية، وجنسه أنثى في اللغة.

ولهذا فمن الشائع بين ناطقي الإسبانية،

وكذلك بقيّة اللغات الرومانسية مثل الفرنسية والبرتغالية والرومانية،

تمثيل الموت على صورة شخصيات أنثوية.

وتعدّ شخصيات الموت واحتفاليته في المكسيك امتداداً للثقافة السائدة أيام الأزتيك،

حيث كانت إلهة الموت «ميكتيكاسيواتي» هي معبودة وشفيعة احتفال يوم الموتى.

وكانت إلهة الموت لدى الأزتيك هي حاكمة وسيدة العالم السفلي، وكانت مهمتها أن تراقب عظام الموتى.

لكنّ الإلهة تصبح إلهاً عندما تهاجر من الشمال في المكسيك إلى الجنوب في الأرجنتين،

فيصبح «قديس الموت سانت مويرته» رجلاً يتم تصويره عادة كهيكل عظمي يحمل منجلاً.

  • القصّة الرابعة – شميرتش السلافي:

تخلط معظم الثقافات السلافية من صربية وروسيا والقوزاق وغيرهم بين قابض الأرواح والموت.

فيعرف لدى الصرب باسم «سمِرت» ولدى القوزاق باسم «بيلهوك».

وتعتبر هذه الثقافات الموت شبيهاً بالأرواح الشريرة وغيرها من القوى المظلمة.

وهي تنظر للموت على أنّه أنثى، وتشير له لغوياً كذلك.

ولديهم قول مأثور عن الموت يبيّن بأنّها تتبع القدر:

«لا (تختار) الموت لا الوقت ولا المكان ولا السنين»

لكنّ الأمر لدى السلاف البولنديين مختلفٌ بعض الشيء:

فالموت لديهم يدعى شميرش، وهي أنثى، وليست وقابض الأرواح واحد.

فقابض الأرواح يتم تمثيله تقليدياً كجسد يرتدي ثوباً أسوداً،

أمّا الموت فهي أنثى ترتدي ثوباً أبيض، وغالباً ما يتم تمثيلها كامرأة عجوز بهيكل عظمي.

  • القصّة الخامسة – الملك ياما:

سيّد الموت في الكتب المقدسة الهندية هو الملك ياما، ويعرف كذلك باسم ملك العدالة الكارمية.

حيث يعتقد بأنّ الكارما في الموت تقود إلى إعادة ولادة الشخص العادلة، فابن باندافاس، تجسيد العدل، ولد جرّاء صلوات زوجته لياما.

ويتم تمثيل ياما بأنّه يمتطي ثوراً أسوداً ويحمل معه حبلاً طويلاً يربط فيه الأرواح التي يعيدها معه إلى منزله.

هناك الكثير من حاصدي الأرواح (يامادوتاس) الذين يعملون لحساب ياما، ويأخذون الأرواح إلى منزله في يامالوكا،

لكنّ ياما نفسه لا يتجسّد ويتموّه إلى في بدن طفل صغير.

وتحفظ سيئات المرء وحسناته في مدونات إله السجلات تشيتراغوباتا.

وبناء على التوازن بين الحسنات والسيئات يقرر ياما أين سيعيد إحياء الروح الذي حصدها في الحياة التالية.

وفي ملحمة المهابهارتا، تمّ ذكر ياما على أنّه فيلسوف عظيم وزاهدٌ سامٍ.

وقد تسرّب ياما إلى المعتقات الصينية من خلال البوذية، فبات يعرف باسم الإله يان حاك العالم السفلي.

ويتم تصويره عادة وهو يرتدي ثوب الحكماء الصيني التقليدي،

ويظهر في جميع طقوس هبات المال التي تتم في احتفالات تقديس الأجداد.

ومن الصين تابع ياما رحلته إلى اليابان ليحمل هناك اسم الملك العظيم إينما،

وفي كوريا اسم الملك يومنا، وفي فيتنام الحاكم ديم لا فونغ.

وكانت قصّة ياما تتطوّر وتتبدل متأثرة بالحاضنة.

وربّما يكون الحديث الأفضل في ختام هذه القصص المذهلة، هو ما قاله الكاتب الدنماركي غلين رينغتفيد عن الموت:

«لولا وجود الموت، كيف كان للحياة أن تكون قيّمة؟

من كان ليستمتع بالشمس لو أنّها لم تمطر يوماً؟

من كان ليتوق لليل لو لم يكن هناك نهار؟»
ربّما علينا أن نتصالح مع الموت أكثر

أو ربّما علينا أن نتصالح مع الحياة حتّى نتصالح مع الموت…

إعداد: عروة درويش
بعض المراجع:

Dean Canto, The personification of Death

Cassuto, Baal and Mot in the Ugaritic Texts.

Ben Sasson, A history of Jewish People.

The conversation project

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

تعليق واحد

  1. super story … very useful

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *