fbpx
الأحد , أغسطس 18 2019
الرئيسية / ثقف نفسك / خرافات الحشاشين وأساطير الإسماعيليين

خرافات الحشاشين وأساطير الإسماعيليين

أعطاهم سيدهم الحشيش المخدر ثمّ أغلق لهم عيونهم. أخذهم إلى حدائق مخبأة في قصره، وجمعهم بنساء حسان عاريات، وأطعمهم وسقاهم من أطايب الأكل والشرب. وبعدها طلب منهم الموت في سبيله، كي يُعتبروا شهداء ويجدوا كلّ ذلك وأكثر في الجنّة من جديد.

بالتأكيد سمعنا هذه القصة من قبل، فهي القصة المنتشرة عموماً. والتي أعادت رواية سمرقند لأمين معلوف سردها، وقبلها رواية «آلموت» للروسي فلاديمير بارتول. وهي قصة تثير الرغبات والشهوات لدرجة قيام مسلسل عربي «مشترك» درامي رديء الحبكة والتمثيل «.سمي بسمرقند أيضاً.» بإعادتها.

لكن هل هذه القصّة صحيحة ولو جزئياً؟ أم أنّها من بنات عقل كتّاب ورجال دين حانقين.؟ أو حتّى رحالة مثل ماركو بولو.، وهو الذي رواها وكأنّه حضرها مع أنّه لم يمرّ من هناك إلّا بعد حوالي مئتي عام كتاجر متواضع؟ تعالوا نحاول سوية أن نتصدى للأمر فيما تسمح لنا سطور مقال.

  • الحسن بن الصباح مصدر الأسطورة:

باختصار، هناك رجل من التاريخ يدعى حسن بن الصباح، كان من دعاة الاسماعيليين التابعين للدولة الفاطمية. وبعد أن شجر صراع داخلي في الدولة الفاطمية، اتخذ جانباً وانقلب عليها، وأسس دولته الخاصة.

وقبل أن نكمل فهناك أيضاً مجموعة من الأساطير المتعلقة بحسن هذا وبصحبته الثلاثية مع عمر الخيام ونظام الملك. وهذه الأسطورة غير المتراكبة لا تنفع لأنّ الثلاثة لا يجمعهم ذات السن أو ما يقاربه.، وهناك أدلة أخرى على بطلان هذه الرواية سنوردها يوماً في مقال آخر. وأمّا الآن فنعود إلى حسن بن الصباح.

وهو الحسن علي بن محمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن الصباح الحميري اليمني. ولد في مدينة الري سنة 447 هجري. وهو من أصل عربي ويتصل نسبه بقبيلة حمير اليمنيين. وحسن برز بعد الخلاف الفاطمي على إمامة المسلمين الإسماعيليين وخلافتهم.، فاتخذ جانب الإمام نزار الملقب بالمصطفى لدين الله. وبعد خسارة نزار في القاهرة لصالح شقيقه أحمد المستعلي بالله ووزيره الأفضل ابن بدر الجمالي.، انفصل الحسن بن الصباح عن الدولة الفاطمية وأسس ما بات يعرف فيما بعد بدولة القلاع.، وهي التي بدأت في جبل آلموت في فارس وامتدت لتصل إلى الساحل السوري. يبدو أنّ حسن عرف حينها بأنّ النظام الفاطمي يسير في طريق الانحطاط والتدهور.، وأنّه بات يفتقر الوسائل والهمّة لمساعدة الإسماعيليين الفرس في صراعهم ضدّ السلاجقة.

  • آلموت معقل الحشاشين:

كان استيلاء حسن الصباح على قلعة آلموت سنة 1090 إيذاناً ببدء نشاطات «الإسماعيليين الفرس» العلنية المناوئة للسلاجقة.، وتحديداً للتأسيس الفعلي لما كان سيصبح الدولة الإسماعيلية النزارية. وإذا ما تركنا الخطاب الديني للحظة، وحاولنا النظر أبعد منه في دوافع التاريخ السياسية.، يمكننا أن نعلم بأنّ الحسن قد تمكن من تجييش الفرس الواقعين تحت نير الحكم السلجوقي الجائر وضمهم إلى حركته، «.ليس بالضرورة أن تكون الطريقتان محسوستان عند الدعوة للانضمام ولكنّ القارئ للتاريخ يجب أن يستشعرهما إذا ما أراد الابتعاد عن الأهواء.»، عبر طريقين: تحفيز التمرد ضدّ القهر والاستغلال اللذين عانى منهما العامّة في ظلّ حكم طبقة السلاجقة أمراء الحرب الإقطاع. وكذلك عبر مداعبة الحسّ «.القومي-القبلي.» الاستقلالي حيث كان أغلب المنضمين حانقين على التمييز السلجوقي-التركي ضدهم كفرس، سواء في توزيع المناصب أو في توزيع الأرض.

وبسبب تموضع أصحاب هذه الحركة بشكل رئيسي في الجبال وقلاعها.، فقد اعتمدوا أسلوب الاغتيال كوسيلة فاعلة لتحقيق أغراضهم السياسية والعسكرية. ولم يكن الإسماعيليون النزاريون هم أول من لجئ إلى الاغتيال، فقد كان معروفاً منذ أيام الخوارج والمغيرية والمنصورية.، بل حتّى السلاجقة والصليبيون أنفسهم استخدموا هذا الأسلوب. وقد يكون الفارق بين النزاريين وأبناء زمانهم أنّهم اعتمدوا الاغتيال طريقاً رئيساً ضدّ أعداء يتفوقون عليهم عسكرياً إلى حدّ كبير.

  • أسطورة الحشيش:

تتنافى رواية الحشيش المخدر ذاك مع مطلب الانضباط الشديد المفروض على أعضاء الفرقة، لاسيما فدائييها. والمدمن على الحشيشة يتعذر عليه أن يكون فدائياً من ذلك النمط الخارق الذي وصلنا عن فرقة النزاريين الإسماعيليين.، سواء في إيران أو في سوريا. وما استمرار المستشرقين أمثال برنارد لويس وسلفستر دوساسي بالاعتماد على المصادر الغربية إلّا نوعٌ من الوهم العلمي. والأكثر من ذلك أنّ لويس نفسه يقول: «لم يظهر حتى الآن أي نص عربي يسمي الإسماعيلية بالحشاشين». متناسين أنّ معظم المصادر العربية والإسلامية أطلقت عليهم لقب الفدائيين. وعند البحث عن مسارات الاستشراق التي خدمت دوماً الاستعمار، فلا أرى ذلك ببريء.

ولكن وخلافاً لما يقوله لويس، فهناك مرجع عربي يطلق على النزاريين لقب الحشاشين. إنّها رسالة خليفة الفاطميين الملقب بالآمر التي أرسلها إلى النزاريين من إسماعيليي سوريا في عام 1123.، يحثهم فيها على العودة عن شقاقهم للاعتراف به كخليفة لجميع الإسماعيليين. وهي المرّة الأولى التي نعرف فيها إطلاق اسم «الحشيشية» على النزاريين الإسماعيليين، دون أيّة إيضاحات عمّا تعنيه الكلمة. ويُعتقد بأنّ الكلمة كانت تعني في حينه نعتاً سلبياً يراد به التقليل من شأن متبعي الشقاق. فالظاهر أنه من خلال معاني «طبقة الرعاع المنحطة» و«الملاحدة المنبوذون اجتماعياً»، التي يراد بها الطعن والقذف.، كان استخدام مصطلح «حشيشية» على سبيل المجاز للإشارة إلى الإسماعيليين النزاريين إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر.، وليس لأن النزاريين أو فدائييهم قد استعملوا الحشيش بطريقة منتظمة سراً.

وأمّا المعنى الأسطوري الذي حملته الكلمة فيما بعد فيمكن أن نرجعه إلى أسباب كثيرة منها كراهية أعداءهم من مجموعات إسلامية-سياسية أخرى.، تنافست وتحاربت وإياهم في ظلّ الدول التي كانت قائمة في حينه. أو من أعدائهم من مجموعات غير إسلامية مثل الصليبيين والمغول الأوائل.

  • الحشاشون وصلاح الدين:

لدينا في فصول التاريخ الجدلي الممتع، الأحداث التي حصلت في فترة الصراع الثلاثي: نزاريون-أيوبيون-صليبيون. وللاختصار: بعد قيام صلاح الدين بإسقاط خلافة الفاطميين في مصر.، قام في سعيه لتوسيع رقعة مملكته إلى مهاجمة ثغور الإسماعيليين النزاريين السوريين «.الحشاشين.» الممتدة على طول القلاع الجبلية الحصينة في مصياف وشيزر والخوابي…الخ. ولكنّه فشل في حملته عليهم بسبب تحصنهم الجيد وبسبب الرعب الذي نشره فدائييهم في صفوف جيشه. ولكنّه بحملته لم يجعل الحياة أسهل على النزاريين الذين باتوا مضطرين لمواجهة الصليبيين من جهة «.وخاصة مجموعة الاسبتارية شديد البأس.» وجيوش صلاح الدين من جهة أخرى.، إضافة إلى هجوم الصليبيين على البقاع ما استدعى التفات صلاح الدين إليهم. ولهذا وبوساطة من خال صلاح الدين وواليه على حماة، تمّت المصالحة بين سنان راشد الدين زعيم النزاريين السوريين.، وصلاح الدين سلطان الدولة الأيوبية الفتية. وعلى ما يبدو فقد نشأ تحالفٌ قويّ لفترة من الزمن بين الدولتين.

وأمّا في علاقة الجانبين بالصليبيين فيجب هنا التفصيل قليلاً. فلم يكن الصليبيون جسماً واحداً إمّا تعاديه أو تصالحه، بل كانوا مقسومين أمراء وملوك وزعماء، يتنازعون فيما بينهم ويتحالفون مع الأمراء والقادة المسلمين. ولهذا كان هناك تفاهم قائم وقتها بين صلاح الدين وعدد من ملوك الصليبيين.، وكان كونراد اوف مونتفيري ملك القدس يقف عقبة في وجه هذه التفاهمات.، فاغتاله حلفاء صلاح الدين الجدد، الحشاشون، في 1192 وهو في صور.

ويبدو أنّ الصليبيين قد كرهوا النزاريين جداً بسبب الخسارات العسكرية الأخيرة التي ألحقوها بهم.، وخاصة خسارتهم قلعة العليقة.، لدرجة وصلت لتوجيه البابا غريغوري رسالة إلى رئيس أساقفة صور وصيدا وبيروت يحضّ على قيام «.الإسبتارية.» بقتال كلّ من تجمعه بهم ارتباطات مريبة: «الحشاشين، أعداء الله وأعداء الاسم المسيحي، الذين تجرؤوا سابقاً على ذبح الآخرين غدراً، ويجاهدون للتغلب على ديننا بالقوة… والأخطر من ذلك كله هو أن الحشاشين المذكورين آنفاً قد تعهدوا، بناء على الوعد الذي قطعه سيد (الاسبتارية) والأخوة السالف ذكرهم بدعمهم وحمايتهم من الهجمات المسيحية، أن يدفعوا لهم مبلغاً محدداً من المال سنوياً. ولذلك، فقد بعثنا إليهم بأوامر خطية ليكفوا عن حماية ذات أولئك الحشاشين… والآن وفي حالة فشل السيد والأخوة المذكورين في الالتزام بأمرنا هذا، فإننا نكلفكم أن تعملوا على إجبارهم للتخلي عن هذا الفهم عن طريق وسائل الحظر الكنسية، دون أن يكون لهم حق الاستئناف، وذلك بعد منحهم التحذير المطلوب».

وانتهى التحالف بين النزاريين والأيوبيين على ما يبدو بعد توقف الأخيرين عن الاشتراك معهم في قتال الصليبيين في المدن على ساحل المتوسط حتّى أنطاكية. فقد وصل صلاح الدين إلى مدن جبلة واللاذقية الحالية وحررها.، ثم توقف وتراجع بعد عقد اتفاقات جديدة مع الصليبيين.

بقلم: عروة درويش

المراجع:

الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم – فرهاد دفتري

تاريخ الإسماعيلية – عارف تامر

دراسة في سلالة الحشاشين والأصل اللغوي لاسمهم – سيلفستر دو ساسي

الاستشراق ومنهجية التعالي على الشعوب – خير الله رشك سعيد

اقرأ ايضا

تكيس المبايض وطريقك نحو التشافي

هل سبق وعانيت من ظهور الشعر في أماكن غير مُعتادة ؟ هل شعرتِ بأن دورتك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *