fbpx
الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / منوعات / عيد الحب وفالنتاين أصله وفصله

عيد الحب وفالنتاين أصله وفصله

بات 14 شباط من كلّ عام يُعامل بقدسية متزايدة. وباتت طقوسه التي تغلب عليها السلعية والاستهلاكية تفرض نفسها بشكل متزايد. فلا يخلو عام من صور أحدهم وقد جلب دباً مليونياً أحمراً لشريكه. بل بتنا نرى البعض يقدّم المال المليوني على شكل ورود ملفوفة بباقة. وأنا شخصياً أرى بأنّ هذا الأمر فساد ما بعده فساد. وهناك توصيف أدبي مطروق لهذه الأفعال يدعى «الاستهلاك التفاخري Conspicuous Consumption».

لكنّ هذا حديث آخر سنجد له حتماً وقتاً للحديث عنه.

لكن علينا الآن أن نحاول فصفصة هذا الفالنتاين بتقاليده وأساطيره وبدايات تحوّله السلعي والتجاري. فوفقاً لجمعيّة بطاقات التهنئة يتم إرسال مليار بطاقة سنوياً بمناسبة الفالنتاين. وذلك مقارنة بحوالي 2.6 مليار بطاقة بمناسبة عيد الميلاد. وهذا يؤهله ليكون مناسبة شعبوية نحاول فهم أصولها.

فالنتاين القديس:

يحمل عيد الحب اسم فالنتاين، وهو اسم أحد القديسين المسيحيين. لكن من هو هذا القديس؟

يلفّ الغموض قصّة هذا القديس لتصبح بمثابة الأسطورة التي بقيت آثارها إلى اليوم من كلا التقاليد الرومانية الوثنية والمسيحية.

تعترف الكنيسة الكاثوليكية بثلاثة قديسين على الأقل يحملون اسم فالنتاين أو فالنتينوس، وجميعهم تعتبرهم شهداء. إحدى الأساطير تتحدث عن كاهن يدعى فالنتاين عاش في القرن الثالث للميلاد في روما. حيث قرر الإمبراطور كلاوديوس الثاني منع زواج الشبان لأنّه كان يريد جنود غير متزوجين ولا عائلات لهم. وقد رفض فالنتاين الامتثال للقرار واعتبره ظالماً، واستمرّ في تزويج العشّاق في السر. وعندما تمّ اكتشاف أفعال فالنتاين حكم عليه كلاوديوس بالموت.

وهناك قصص أخرى تروي أنّ فالنتاين قد حاول مساعدة المسيحيين المضطهدين فزجّ به في السجن. وقد وقع في غرام ابنة السجان التي كانت تزوره أثناء فترة حبسه. وهو من أرسل أوّل بطاقة حبّ في التاريخ وكتب فيها إلى ابنة السجان: «من فالنتاينك». وهو التعبير الذي ما زال يستخدم حتّى يومنا هذا.

ومهما كانت قصص وأساطير القديس فالنتاين هذا، فقد بدأ يحوز على شهرة واسعة في العصور الوسطى. وخاصة في إنكلترا وفرنسا، بوصفه القديس العاشق وشفيع المحبين.

الأصل الوثني:

لا يوافق أغلب الباحثين على أنّ أصل يوم الحب يعود إلى القديس فالنتاين. من أمثال البروفسور في جامعة كولورادو نويل لينسكي والبروفسور في جامعة شيكاغو ويليام غرين. فيرون بأنّه مثل الكثير من الأعياد والاحتفالات المسيحية وغير المسيحية، لها أصول وثنية أقدم. وبشبه إجماع على ذلك يرجع الباحثون الأصل الاحتفالي ليوم الحب إلى الاحتفال الروماني لوبريكاليا. وهو الاحتفال الذي كان يقام في 15 شباط.

وكان هذا الاحتفال يخصص بشكل أساسي للذئبة التي أرضعت رومولوس وريموس، المؤسسان الأسطوريان لروما. وكانت القرابين تقدّم في هذا الاحتفال للإله فاونوس إله الخصب والزرع. وكان الاحتفال يبدأ باجتماع الكهنة في كهف، ويسلخون الأضحية المقدمة والتي تكون عنزة عادة. ثمّ يخرجون إلى الشوارع بجلد العنزة المغمسة بالدم، ويدورون فيها على الصبايا والشباب ليلمسوها. وكان الشباب الرومان يسعدون بهذا اللمس لكونه بحسب معتقداتهم يجعلهم أكثر خصوبة في العام التالي.

وتبعاً للطقوس فقد كانت جميع العازبات في المدينة يكتبن أسماؤهن ويضعنها في جرّة ضخمة. فيأتي الشباب ويسحبون الأسماء من الجرّة ليخرجوا في مواعيد مع صاحباتهم لمدّة عام. وعادة ما كانت هذه المواعيد تنتهي بالزواج.

يومٌ للحب:

كان على يوم الحب أن ينتظر فترة طويلة حتّى يوجد. فقد حرّم المسيحيون الاحتفال بيوم لوبريكاليا في نهاية القرن الخامس ومنعوا أداء أيّ من طقوسه. لكن في العصور الوسطى كان يُعتقد في أوروبا وخاصة في فرنسا وإنكلترا بأنّ 14 شباط هو يوم تزاوج الطيور. ومن المرجح أنّ هذا الأمر هو الذي تطوّر عند اقترانه بالقديس فالنتاين ليصبح يوماً للحب.

وأقدم إشارة لارتباط فالنتاين بالحب هي قصيدة كتبها دوق أورليانز تشارلز في عام 1415. وقد كتبها لزوجته عندما كان حبيساً في برج لندن بعد خسارته في معركة أغينكورت. وهناك اعتقاد سائد بأنّه بعد عدّة سنوات من هذا التاريخ قام هنري الخامس باستخدام كاتبٍ يدعى جون ليدغيت. وقد أوكل إليه مهمة كتابة نصوص للفالنتاين ليقدمها لكاثرين فالوا.

وقد بدأ يوم الفالنتاين يصبح ذو شهرة في القرن السابع عشر، وأوّل ما بدأ في بريطانيا. وبات شائعاً في القرن الثامن عشر أن يتبادل الأصدقاء والعشّاق من جميع الطبقات أشياء رمزية تدلّ على المحبّة أو ملحوظات مكتوبة بخطّ اليد. وقد بدأت البطاقات المطبوعة تحلّ مكان الملاحظات المكتوبة بحلول 1900، وذلك مع تطوّر تقنيات الطباعة.

ومن أسباب شيوع البطاقات وقبلها الملاحظات المكتوبة هي أنّ أخلاق تلك المرحلة كانت تعتبر من المعيب إظهار العواطف بشكل مباشر. وأشهر من أنتج بطاقات التهنئة بشكل تجاري هي إستر هاولاند في أمريكا في أربعينيات القرن التاسع عشر. وتُعرف هاولاند باسم «والدة الفالنتاين» لأنّها بدأت بإضافة الصور والشرائط والألوان بشكل مبهر لما بات يعرف لاحقاً باسم «قصاصات Scrap».

المال قبل الحب:

إنّ يوماً للحب قد يكون مناسبة جميلة لإظهار مشاعرنا لمن نحب، وحتّى لنقدم لهم هدايا رمزية تعبّر عن اهتمامنا. لكن وكما نعلم جميعاً فإنّ الفالنتاين يضحي شيئاً فشيئاً فرصة لتسليعنا والإتجار بعواطفنا. وهذا ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول هو الاستهلاك التفاخري الذي يُقصد به تحقيق مكاسب مكانة اجتماعية ولا دخل له بالحب.

والقسم الثاني هو الضخّ الإعلاني لتعزيز الاستهلاك كفرصة تجارية مربحة للشركات والباعة.

تعالوا ننظر إلى بعض الأرقام لنقف على هذه الحقيقة. واعذرونا في أنّ جلّ أرقامنا ستكون من الولايات المتحدة لكونها الأكثر شمولاً ودقّة:

أوردت جمعية بائعي المفرق الوطنية بأنّ قرابة 19.6 مليار دولار قد تمّ إنفاقها في يوم الفالانتاين في 2018. وأنّ 55% من الأمريكيين قد احتفلوا بالفالنتاين.

حصّة المجوهرات من الهدايا في الولايات المتحدة هي الأعلى بقرابة 4.7 مليار. مع العلم بأنّها وصلت في عام 2007 إلى إنفاق 19.7 مليار دولار على المجوهرات فقط.

وقد أعلنت أكاديمية السياحة الصينية بأنّ 6.5 مليون شخص صيني قد حجزوا لتمضية العطلة خارجاً، وأنّ الولايات المتحدة من بين أكثر الوجهات شعبية بالنسبة للصينيين. ويذكر بأنّ الصينيين يحتفلون بذات الفترة بأعياد رأس السنة القمرية الصينية.

وقالت جمعية بائعي المفرق بأنّه تمّ بيع أزهار حمراء بقيمة 2 مليار دولار في فالنتاين 2018.

وقد أعلنت الجمعيّة بأنّ أسعار الورود لعام 2018 قد كانت منخفضة نسبياً. فمعظم الأمريكيين حصلوا على باقة بسعر أدنى من 25 دولار.

يمكننا أن نرى بعد هذه الأرقام بأنّ انتشار يوم الحب ليس بريئاً. وبأنّ الأفلام والإعلانات التي باتت تؤثر فينا ليست أكثر من جزء من عولمة الاستهلاك. لا أرى مشكلة في الاحتفال بيوم للحب، لكنني أرى كلّ المشكلة بتحويله إلى تجارة.

ربّما علينا كمحبين أن ندافع عن براءة حبنا بأن لا نسمح بإفساده. قد يكون ذلك بالاحتفال بحبنا بطرق تعبّر عن أنفسنا أكثر. وأنا هنا لا أتحدث عن التقشف أو الزهد، بل عن منع التجارة والاستهلاكية من تحويلنا وإفسادنا. فالسوق ليست بريئة، وهي قادرة على إفساد حتّى أكثر مشاعرنا طهارة وجمالاً.

إعداد: عروة درويش

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *