fbpx
الأحد , أغسطس 18 2019
الرئيسية / منوعات / لا تتزوجها يا أبي فهي حبيبتي تريستان وإيزولد

لا تتزوجها يا أبي فهي حبيبتي تريستان وإيزولد

«الحب، أعزك الله، أوله هزل وآخره جد. دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة.

وليس بمنكرٍ في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل…».

بهذه الكلمات حاول الإمام ابن حزم الأندلسي أن يعرّف الحب بحيث يفهمه.

لكن من له أن يفهم الحب؟ فهو كسيلٍ مجنونٍ في مرحلة الهوى، وكجذر شجرة مسنّة في مرحلة الثبات.

ونحن إذ جُبلنا بفطرتنا على أن نحب ونكون محل حب، فإنّ قصص الحب الأدبيّة تطرب أذننا التواقة له.

ولكن ماذا إن لم تكن قصص الحب دوماً بالسعادة التي تبدو عليه؟

ماذا لو كانت الحكاية أعقد قليلاً من أن ينالها طرفا الحب ببساطة؟

إنّ قصص الأدب عموماً، والحب منها خصوصاً، خلقت لنعتبر بها ونتعاطف مع الحبيبين فيها

جميعها تحكي عن عاشقين لا يفوقهما شهرة ربّما سوى روميو وجولييت، وقيس وليلى.

ولن أبالغ إن قلت بأنّه من بين جميع أنواع الأدب المكتوب، فإنّ قراءة حكايات الحب هي أكثر ما يمتعني

فكيف إن كانت قصّة الحب هذه قد تعدّت الحكاية، فباتت:

شعراً وفيلماً سينمائياً ومسلسلاً تلفزيونياً ولوحات مرسومة وموسيقى مسموعة؟

أليست هذه هي فروع الثقافة التقليدية جميعها؟

كان يا ماكان:

إنّها قصّة تريستان وإيزولد

قصتهما قصّة حبيبين امتحنهما القدر القاسي، فحاولا التغلب عليه

ولكن هل ينجح البشر في التغلب على القدر؟

إنّ لقصّة عاشقينا هذين مئات النسخ التي تختلف قليلاً أو كثيراً فيما بينها،

فقد حدثت، إن حدثت، في القرن الثاني عشر للميلاد في بلاد قبائل السلت في جزر بريطانيا وإيرلندا.

وبدوري سأعتمد واحدة من هذه القصص لثلاثة أسباب:

أولاً: لأنّ التاريخ غير ذو قيمة هنا فالقصّة التي سأرويها هي برأيي الأجمل.

ثانياً: أنّ الفيلم السينمائي الأفضل عن تريستان وإيزولد قد اعتمد على القصّة التي سأرويها.

ثالثاً: أنّ جلّ الآداب المعاصرة والأقدم منها بقليل قد اعتمدت هذه النسخة كملهم لها.

وعليّ أن أعبّر عن رأي شخصيّ هنا:

وصل الفيلم السينمائي من إنتاج ريدلي سكوت وستوديو كانال، بأبطاله ومشاهده

حدّ الكمال في تجسيده للقصّة بما يتطلبه الأمر من بعض الخفّة في التقديم

حيث لعبت البطلة صوفيا مايلز الدور بإتقان يجعلك تحزن لحزنها وتتمنى مسح دمعتها.

(وقد فهمت عشق البطل لها لأنني أغرمت بها مثله وتخيلت نفسي أقاتله في مشاهد الفيلم لأجلها)

ولعب البطل جيمس فرانكو دور العاشق والمحارب بامتياز

(بحيث أثارت مشاعر حبيبتي له غيرتي طوال مدّة الفيلم).

تريستان وإيزولد هي القصّة التي ظُلم فيها اثنان، فظلما معهما أشخاصاً لا ذنب لهما في مأساتهما.

لكن من قال بأنّ على مأساة كلاسيكيّة أن تقتصر على أصحابها فقط؟

إنّ أبطال الملاحم الكلاسيكية يبحثون منذ ولادتهم عن المجد ولهذا وجب أن تعمّ مآسيهم حتى يخلدوا

فكما قال هكتور لقاتله آخيل في طروادة الإلياذة:

«لا تدعني إذاً أموت بلا مجد ودون صراع، بل اتركني أولاً أقوم ببعض الأعمال العظيمة

التي يتناقلها الرجال في أخبارهم للأبد».

ولكن الآن، ما الذي حدث مع هذين العاشقين؟

تدور القصّة الأساسية بين مملكة إيرلندا المهيمنة وجيرانها من الإمارات البريطانية المشتتين المهيمن عليهم

ولد تريستان لوالد حاول جمع إمارات السلت والساكسون والجوتس وغيرهم تحت راية واحدة

وذلك بهدف مقاومة هيمنة مملكة إيرلندا عليهم.

لكنّ والد تريستان هذا يموت في إحدى المعارك مع الإيرلنديين وينفرط عقد الحلف الذي عقده بموته

ويربي مارك تريستان، وهو أحد اللوردات المتحالفين مع والد تريستان، بعد أن أنقذه من القتل

وكان مارك قد فقد ذراعه أثناء إنقاذه لتريستان من الذبح

يترعرع تريستان الصغير اليتيم مع عائلة مارك ويصبح ولاءه له مثلما ولاء الابن لوالده

ويثير هذا غيرة الابن الحقيقي لمارك، وهي قصّة فرعية لازمة لاستمرار الحبكة.

وعندما يكبر تريستان يصبح أحد أقوى وأعتى المحاربين على طول البلاد

في إحدى المرّات، تقوم قوات ملك إيرلندا بمهاجمة قرية لمارك وتحرقها وتأخذ أهلها عبيداً

فيخرج تريستان على رأس قوّة صغيرة لاعتراضها وتحرير العبيد.

يستطيع تريستان الانتصار ويقتل بطل أبطال الإيرلنديين وقائد جيشهم مورهولت

وهو الذي كان والد الأميرة إيزولد، ملك الإيرلنديين، سيجبرها على الزواج به حال رجوعه من مهمته

وهنا يكون تريستان قد حرر إيزولد دون أن يعلم من زيجة لا تريدها.

لكنّ تريستان الشجاع قبل أن يقتل مورهولت، أصيب بجرح من سيفه المسموم

ولهذا يفقد الوعي ويبدأ بالموت البطيء.

يجتمع رفاقه حوله ويعتقدون بأنّه مات، فيصنعون له قارباً خشبياً يضعون فيه جثته

ويدفعونه للمياه ليحترق مثل أيّ محارب بطل يموت في المعركة في عاداتهم.

لكن هل يعقل أن يموت تريستان؟

أقسم أنّه لو مات لقلت بأنّها ربّما أعظم كوميديا في الوجود

ولراهنت بأنّ محمد الماغوط أو جورج برنارد شو هما من كتباها وليست قصّة كلاسيكية

لكن يمكنكم التخمين بثقة بأنّ تريستان البطل لن يموت بهذه البساطة

وذلك رغم الدهشة الانفعالية المؤثرة على وجه حبيبتي، والتي تحضر الفلم للمرّة العاشرة

فالقارب يمضي في طريقه وقد انطفئ اللهب فيه دون أن يحرق تريستان

ويحطّ على شاطئ رمليّ أعزل ليس فيه سوى فتاة وحيدة تنتظر قدرها الذي لم تختره

فجأة ترى الفتاة جسد رجل ملقىً على الشاطئ

تهرع إليه فتجده شبه ميت، ولكنّه لا يزال يتنفس

تسحبه إلى الكهف وتداويه، وتطلب مساعدة وصيفتها التي تتستر عليها.

بعد أن يستفيق الفارس ويبدأ باستيعاب ما يحدث، تخشى إيزولد أن تخبره باسمها الحقيقي

فتقول له بأنّها تدعى برانيي وبأنّها إحدى وصيفات الملكة.

وفي أثناء فترة إقامته في الكهف وتردد إيزولد (أو برانيي) عليه، يقع تريستان في غرام الفتاة

وتقع هي كذلك في غرامه، وخاصة بعد أن تعلم بأنّه قتل مورهولت وحررها من انتظاره

لكن هل يكتمل الحب في القصص الكلاسيكية على هذا المنوال؟

يرى أحد الصيادين القارب الذي وصل به تريستان إلى الشاطئ ويهرع لإخبار الحراس

فتعلم إيزولد بأنّهم سيقتلون تريستان إن هو لم يفر بسرعة، ولهذا تمضي إليه لتحذره

يطلب إليها الذهاب معه لكنّها ترفض، ولا يعلم هو السبب في ذلك

فلماذا ترفض وصيفة للملكة أتوا بها كعبدة أن تترك مكانها وتفرّ مع من تحب؟

لكنّ الوقت يدهمهما وعلى تريستان المضيّ بسرعة.

لن أحرق أحداث القصّة والفيلم من أجل من يرغب بقراءتها أو مشاهدته

ففي النهاية ليس الهدف من هكذا قصص أن نعلم مجرى أحداثها

فجميعها تنتمي لذات النمط ولهذا جميع أحداثها متشابهة.

إنّ الفرق الحقيقي بين قصص الحب الكلاسيكي ليس في مسرى الحكاية بل في تفاصيلها

وفي الكمال التخيلي الذي يمكن للمرء أن يصله عند قراءتها

وفي كمّ الاستمتاع التفاعلي الهائل مع الأحداث الذي يصله المشاهد عند حضورها

«فتريستان وآيزولد» مثلاً يُعتقد بأنّ لها جذورها في قصّص حبّ أخرى أقلّ شهرة

فالبعض يعتقد بأنّ القصّة الأقدم التي أُخذت عنها هي قصّة «ويس ورامين» الفارسية

والتي نظمها شعراً فخر الدين أسعد غورغاني في القرن الحادي عشر، عن قصّة فارسيّة أخرى

تعود للقرن الأول ما قبل الميلاد على أيام السلالة البارثيّة.

وأنّ سبب انتشارها في الغرب يعود لقنوات الاتصال التي فُتحت أثناء الغزو الصليبي لبلاد الشام

حيث تلقفها الصليبيون وبدأت القصّة بالانتشار في بلادهم بأشكالها المختلفة.

وقد يكون أفضل ما نختم به قبل أن نعلق في بحث تاريخي عن أصل تريستان وإيزولد

هو بضع كلمات من الشعر كتبتها جين وايلد بعنوان تريستان وإيزولد، ترجمتها بتصرّف:

«ليس الكثير

فقط بعض الغيرة والفخار

يمكن أن تفرّق قلوباً أحبّت باستمرار

مثل نذرٍ متمرّد وقبلة ترفض الانفكاك

كلاهما يقدمان الهلاك كنعمة

فهما مثل سياج تغييرات جامحة

يحبس شغف الأحباب داخلها»

بقلم: عروة درويش

الصور:

صورة الغلاف: منحوتة على مقعد خشبي لتريستان وإيزولد في قاعة تالين تاون، من القرن الرابع عشر.

الصورة 1: سجادة صوفيّة تروي قصّة تريستان وإيزولد، من القرن الرابع عشر.

الصورة 4: لوحة للفنان روغيليو دي إيغوسكيزا بعنوان تريستان وإيزولد عام 1910.

الصورة 5: مقطع من أوبرا تريستان وإيزولد لفاغنر.

الصورة 6: لوحة للفنان هربرت جيمس دريبر بعنوان تريستان وإيزولد عام 1901.

المراجع:

The Tristan Legend Hill, Leeds Medieval Studies, 2012

Tristan & Isold the movie

Lady Jame Wilde Book of Poems

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *