fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / منوعات / ملابسك تقتل الناس وتدمّر المباني هل تتخيّل؟

ملابسك تقتل الناس وتدمّر المباني هل تتخيّل؟

لديّ هذه القصّة التي قد تكون مشوقة والتي يجب علينا أن نتخيّل أنفسنا جزء منها لنفهمها كما ينبغي:

لقد وصلت توّاً إلى عملك المرهق والشاق، وقد انتشرت الإشاعات بأنّ المبنى الذي يقع فيه مصنعك على وشك الانهيار.

عند صعودك إلى الطابق الثاني حيث المصنع، ترى المصرف والمتاجر الكبيرة في الطابق السفلي وقد أغلقت أبوابها بسبب التصدّع في هيكل المبنى.

تتحدث مع زملائك في العمل عن المغادرة خوفاً من انهيار المبنى، ويوافق معك زملاؤك على ضرورة هذا الإجراء.

وأنتم تحضرون نفسكم، يأتي ربّ عملكم ويمنعكم من المغادرة، ويهددكم بالطرد الفوري وبعدم منحكم أجوركم الشهريّة في حال مخالفة أوامره.

تنتشر الهمهمة بينكم، ولكنّكم جميعاً تعيلون أسراً وأطفال وعجائز في بلدٍ فقير ذو اقتصاد مهترئ، وفي حال فصلكم لن يوظفكم أحدٌ آخر.

تفكرون مرتين، ويتسرب الخوف البشري إلى دواخلكم. تقولون لأنفسكم بأنّ يوم العمل المؤلف من 12 ساعة سوف ينتهي لا محالة إن صبرتم.

تقررون الانصياع للجوع الذي جعلكم تقبلون بمثل هكذا عمل في المقام الأول، والرضوخ لأوامر ربّ العمل.

يخرج المشرف ويغلق الأبواب بإحكام خوفاً من هروب أحدكم. يواسيكم أنّ الجميع خاف مثلكم من التهديد بالطرد فتزفرون بأسى وتعودون إلى آلة الخياطة المتوقفة.

ثمّ حالما بدأتم العمل بانهماك، وعند قرابة الساعة التاسعة صباحاً، يبدأ المبنى المتصدّع بالانهيار.

يحدث الأمر بسرعة لا تؤهلكم للهرب، فجأة تصبح الأرضيّة ملتحمة بالسقف، وتبدأ آلات الخياطة بالارتجاج كأنّها وحوش معدنية.

تتداعى الجدران التي تشبه غرفة السـجّان، لكن ليس لتطلقكم إلى الحريّة، بل إلى العالم الآخر حيث تأملون تحقق العدل الذي حرمتم منه.

تخرج أرواحكم من أجسادكم لترى جثثكم مكومة بعضها فوق بعض، ولتحاول مساعدة الجرحى الذين يؤرّق أنين آلامهم الصمت على وجوه الموتى.

إن كنتم تعتقدون بأنّ هذه القصّة محض خيال أو مبالغ فيها حتّى فأنتم مخطئون.

ففي الساعة 8:57 من صباح يوم 24 نيسان/أبريل 2013، كانت العاصمة البنغلادشية دكا على موعد مع انهيار مبنى تجاري مؤلف من ثمان طوابق.

وفي هذا العالم المجنون حيث موت الآلاف اعتيادي، فقد قتل في الحادثة 1134 شخصاً، وجرح قرابة 2500 شخص.

كان بناء «رانا بلازا» المؤلف من ثمانية طوابق يحوي عدّة مصانع نسيج حيث يعمل قرابة خمسة آلاف شخص.

وفي يوم الانهيار كان هناك في البناء، تبعاً لرابطة مصنعي ومصدري النسيج، حوالي 3122 عامل، أغلبهم من النساء وأطفالهنّ الذين يضعونهم في حضانة المصنع.

وكي لا يتحوّل مقالنا لمقال إخباري فقط، فتعالوا نضع المعلومات اللازمة بسرعة لننتقل بعدها لشيء أهم:

    • صاحب البناء والمصنع يدعى سوهيل رانا، وقد حكم عليه بالسجن تحت ضغط الرأي العام.

    • البناء كان مخالفاً للقوانين ولم يكن يفترض أن يحتوي على مصانع.

    • انطلقت مظاهرات وأعمال تمرّد في الأيام التالية للانهيار مطالبة بحماية العمّال وبمعاقبة المسؤولين.

    • تمّ فتح قضيّة فساد فيها محافظ المدينة وأعضاء من الحزب الحاكم.

    • رفضت الحكومة قبول مساعدة الأمم المتحدة حفظاً لماء الوجه.

  • توقفت المحاكمات بأمر من المحكمة العليا لتنظر هي بها لانخراط شخصيات رسمية في الأمر.

يمكننا فهم أنّ صاحب المبنى والمصنع هو المسؤول المباشر عن الحدث.

ويمكننا فهم أنّ الدول المارقة لديها دوماً مسؤولون فاسدون متواطئون يرتشون ويعملون لغير الصالح العام.

لكنّ قضيّة انهيار المبنى تتطلب منّا أن ننظر إلى أبعد من المسؤولين المباشرين عن المسألة.

تعالوا لنبدأ القصّة بالترتيب:

تقوم شركات الألبسة الكبرى العابرة للحدود وصاحبة العلامات المشهورة بالبحث عن طرق لتخفيض التكاليف وتحقيق أرباح أعلى.

من الوسائل الهامّة هنا أن تصنّع في دول تكون فيها الأجور منخفضة والقوانين البيئية والعمالية وغيرها ضعيفة، والحكومات فاسدة يمكن رشوتها أو واهنة يمكن إفسادها.

ثمّ تقوم باستيراد هذه البضائع وتبيعها في الدول الغنيّة التي يتم فيها تصميم الملابس وتسويقها.

تخلق هذه السلسلة ضغطاً على الدول التي تستضيف هذه الصناعات لتحقق معايير الشركات، فتجد الحكومات الفاسدة من يديم فسادها،

حيث تضغط الشركات الكبرى للإبقاء على حلفائها ومساعدتهم في إنشاء هذه الدول التي تخرج الكوارث دوماً فيها.

وبالعودة للمبنى المنهار، فقد تمّ لاحقاً بضغط عمالي رفع الحدّ الأدنى للأجور وتعزيز القوانين العماليّة، وخاصة بعد احتراق معمل آخر في بنغلاديش مخلفاً 8 قتلى.

وبعد أن أخذت القضيّة بعداً عالمياً بدأت حوادث معامل الألبسة والنسيج تتكشف وهي كثيرة ولكن أشهرها:

  • حريق (مصنع علي) لتنظيف الأقمشة في باكستان في شهر 10 عام 2012 وخلّف 289 قتيل.

  • حريق مصنع تازارين للأزياء في بنغلادش في شهر 11 عام 2012 وخلّف 112 قتيلاً.

ولمن يعتقد بأنّ هذه الحوادث خاصّة بالعالم الثالث أو بالدول الفقيرة، فعليك أن تعيد حساباتك.

إنّ مثل هذه الحوادث وجدت وستتكرر حيث تكون القوانين العمّالية ضعيفة والحكومات فاسدة.

ففي 25 آذار من عام 1911 احترق معمل للنسيج مخلفاً 146 قتيل منهم 123 امرأة، و71 جريح.

وقد احترقوا لسبب بسيط يتعلّق كذلك بالأرباح وبربّ العمل:

فقد كان ربّ العمل يقفل الباب على العمّال من الخارج كي لا يهربوا ولايسرقوا، ولم يكن هناك أيّ منفذ سلامة أو وسائل لمكافحة الحرائق.

ولهذا احترق المعمل وقتل العمّال والعاملات الأبرياء وجلدهم ملتصق بعضه ببعض وهم يحاولون الفرار من جشع أرباب عملهم.

هل لكم أن تحزروا أين حصل هذا الحادث؟

لقد حدث في مانهاتن في مدينة نيويورك العظيمة، وكانّ العمّال الضحايا كالعادة من المهاجرين ومن الطبقات المسحوقة.

إنّ مثل هذه الكوارث تكرر نفسها باستمرار عندما تكون الظروف مؤاتية، وطالما هناك شركات كبرى تحقق الأرباح من ضغط تكاليف العمالة، فستتكرر مثل هذه الحوادث.

فشركات مثل «H&M» ووال مارت و «GAP» و تارغيت، هي من المستوردين الرئيسيين لهذه البضائع.

وهذه الشركات أعلنت الكثير ووقعت الكثير عن تحسين ظروف العمل في بنغلادش بعد الضغط الشديد عليها نتيجة الكوارث.

ولكنّها في الحقيقة لم تفعل أكثر من البدء بنقل مصانعها إلى أماكن فقيرة أخرى لم تحز على اهتمام الإعلام بعد.

يقول أصـحاب المصانع دفاعاً عن أنفسهم، وهو رغم أنّه دفاع غير أخلاقي وينبع من ذات جشـع الشركات الكبرى، فهو دفاع له جذور حقيقية:

«إذا ما حسنّا أماكن العمل وزدنا الأجور فسيعني هذا زيادة التكاليف، وإذا ما زدنا التكاليف فهذا سيؤدي لتوقّف المتعاقدين عن شراء بضائعنا والمضيّ إلى آخرين».

إنّ حادثة رانا بلازا ليست حادثة منفردة، رغم مأساويتها الشديدة، وسنبقى لسوء الحظ نشهد حصول مثلها دوماً إذا ما استمرّت الأمور على هذا النحو.

أظنّ بأنّ النهاية المناسبة لمثل هكذا مقال حزين وكئيب هو بخبر جميل نسبياً:

في 17 أيّار/مايو، أي بعد 17 يوماً على الانهيار، وجدت فرق البحث والإنقاذ امرأة تدعى ريشما تحت الأنقاض، وكانت دون أذى شبه غير ممسوسة.

ليس لنا إلّا أن نسعد لحياة ريشما، ونحزن لحيوات الذين قضوا كنتيجة للجشع.

بقلم: عروة درويش

بعض المراجع:

The True Story Documentary

Monthly Review Journal

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *