fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / منوعات / مدرسة الفنّ الإيمائي وتاريخها والفلم الصامت كطفل لها

مدرسة الفنّ الإيمائي وتاريخها والفلم الصامت كطفل لها

اعتاد الإنسان منذ بداية الزمان، كما اعتاد على شرب الحليب من ثدي الأمهات، على حياة مليئة بالدراما بالمعنى الواسع للكلمة.

وقد وجدت أفضل تعبيرات لها عند الإنسان القديم في شعائر الدفن وكلّ ما يتعلق بالطقوس المصاحبة للصيد والزراعة.

ثمّ تطورت الشعائر لتضحي أغاني وأشعار يتناقلها البشر، وكان الجزء الأكبر منّها يؤدّى عبر الحركات الإيمائية دون شك.

حيث لم تكن لتستوي شعيرة دون حركة إيمائية مصاحبة لها، ويمكننا أن نرى ذلك متجذراً في أكثر الشعائر ممارسة حول العالم حتى الآن.

وربّما يكون الرقص هو أهمّ أنواع الفنّ الإيمائي، الذي يستطيع عبر سلسلة من الحركات أن يوصل دوماً أهمّ الأفكار وأقواها.

فإن فككنا الرقص إلى أشكاله البسيطة فسنجد بأنّه ليس أكثر من حركات إيمائية.

وإن أخذنا هذه الحركات ووضعنا لها كلمات فسنجد بأننا أمام بقيّة أنواع الفنون جميعها.

ويحضرني هنا عند تخيلي الكلمات دون إيماءات قول شكسبير على لسان هاملت: «إنّنا لا نملك شيئاً إلّا كلمات وكلمات وكلمات».

التمثيل الإيمائي هو الطبيعة بكل بساطة.

وإذا ما مضينا إلى المفهوم الغربي الذي استطاع عبر القرون صياغة وتشكيل هذا الفن بأبهى صوره، فسنجد بأنّ الكلمة التي تشتقّ منها جميع اللغات الغربية كلمة الفنّ الإيمائي «Pantomime» مأخوذة من الإغريقية.

حيث كان الإله «Pan» هو إله الطبيعة وراعي الرعاة، والقسم الآخر من الكلمة وأصله: «Mimos» ويعني التقليد.

إنّ مزجنا للكلمتين سيأخذنا إلى معناهما الحقيقي: «محاكاة الطبيعة»، وهذا هو كنه وجوهر الفنون الإيمائية جميعها.

كانت الفنون الإيمائية الإغريقية والرومانية هي عروض تسالي دراميّة تحاكي مشاهد من الحياة وغالباً بطريقة سخيفة مضحكة.

ولهذا أصبحت التمثيليات الإيمائية في الزمن المعاصر هي فنّ تمثيل الشـخصيات أو القصّة التي تروى فقط من خلال حركة الجسد، سواء حركات واقعية أو رمزية.

كانت المدرسة الإيمائية الإغريقية-الرومانية هزلية تشدد على الحركات الإيحائية ولكنّها اشتملت كذلك في بعض الأحيان على الأغاني وعلى حوارات محكيّة.

إنّ لدينا الكثير من التخمينات بشأن حقبة ما قبل التدوين. ولكن حتّى المتشظيات الناجية من مسرحيات إيبيكارموس،

(وهو كاتب المسرحيات الهزلية من القرن الخامس قبل الميلاد)،

لم تعطنا سوى معلومات قليلة وغير كافية عن الإيماءات التي استخدمت في مشاهد الحياة اليومية أو الهزليات الأسطوريّة.

ومن أشهر كاتبي المسرحيات الإيمائية الإغريقية أيضاً كان سوفرون قرابة 430 قبل الميلاد وهيروداس قرابة القرن الثالث قبل الميلاد.

أمّا في إيطاليا فيمكننا أن نفترض ونحن واثقون بأنّ بداية الفنّ الإيمائي تعود لمرحلة متزامنة مع التدوين.

وكانت أشهر تمثيليات الرومان الإيمائية هي «الفارس داسيموس لابيريوس» (بين حوالي 105 إلى 43 قبل الميلاد)، والذي مثّلها أفضل ما يمكن العبد بوبليو سيروس.

كانت الفنون الإيمائية سمة تقليدية لاحتفال فلوراليا السنوي، الذي فتح المجال لبزوغ نجم ممثلات الإيماء العاريات ليخرجن على المسرح الشعبي بوصفهن يجسدن نقاء الروح العارية.

وقد لعبت هؤلاء الممثلات دوراً هاماً في الاحتفالات الرومانية المقدسة المختلفة.

ورغم نجاة القليل من المتشظيات، فمن الواضـح بأنّ حبكة المسرحيّة الإيمائية قد تركزت بشكل رئيسي على مشاهد الزنا وغيرها من أفعال الرذيلة غير المقبولة اجتماعياً.

وذلك مع الحفاظ على حريّة التلميح في المواقف الختامية والعبرة المستقاة من المسرحية.

كما أنّ هناك أدلّة على أنّ المسرح الروماني الصامت قد شهد تمثيل مشاهد جنسية حقيقية أمام الحضور.

وكذلك تشير السـجلات إلى استخدام مجرمين مدانين لتنفيذ مشاهد الإعدام عوضاً عن استخدام ممثلين.

وقد انتقد الكتّاب المسيحيون الأوائل، عند إدانتهم للمسرح الروماني عموماً، التمثيليات الإيمائية الصامتة بشكل رئيسي على حالة الانحطاط التي وصلت لها.

وقد وجدت بعض الشـخصيات والمشاهد من التمثيليات الإيمائية الكلاسيكية طريقها إلى الدراما الهزلية للكاتب اللاتيني الشهير بلاوتوس.

والتي عادت للظهور فيما بعد، مع تعديلها بشكل كبير، في «كوميديا المحترفين Commedia dell’arte»، وهي تسالي ارتجالية من عصر النهضة لها جذور في التقاليد الرومانية.

وشهد المسرح الروماني تمييزاً بين نوعين من فنّ الإيماء:

الأول هو الإيماء الذي يستخدم فيه الممثلون وجوههم للتعبير ويتكلمون في بعض الأحيان.
والثاني كان ذو طبيعة وحشية أكبر ارتدى فيه الممثلون أقنعة مختلفة لتحديد شـخصياتهم.

ولكن ذلك حرمهم من الكلام ومن استخدام تعابير الوجه، ولهذا كان عليهم أن يستخدموا بشكل رئيس حركات الأيدي والإشارات للتعبير.

في الشرق:

وتمّ تطوير فنون الإيماء في آسيا والشرق قبل وقت طويل من أن يأخذ شكله في العالم الغربي.

فقد كان هناك ربط بين الموسيقى والرقص وحركات الشخصيات قبل عدّة قرون من الميلاد.

ومن هذه التمثيليات الدرامية الأصلية تطوّرت، بعد إضافة الحوار لها، واحدة من أشهر المسرحيات الراقصة الدرامية الهندية: «بهاراتا ناتيام»

وهي موصوفة بدقّة في الناتايا-شاسترا، الأطروحة السنسكريتية الكبرى التي تمّ تأليفها في القرن الثالث للميلاد.

فالمسرحية البالغة طولها ساعتان تظهر راقصاً وحيداً وراءه موسيقى ومغني. لا يغادر الراقص المسرح أبداً ولا يغيّر زيّه. ويتناوب المؤدي بين الرقص وبين القيام بحركات إيمائية صامتة.

تستمدّ المسرحيّة حركاتها الإيمائية من أسطورة فيشنو ولا تزال تؤدّى في «الجاتراس» البنغالية.

(وهي احتفالات كرنفالية شعبية تجمع بين الكلمات والتمثيل الصامت التقليدي وفنون رقص الراساس السنسكريتية التقليدية).

وقد تمّ في القرن العشرين تقديم الرقصات الهندية الكلاسيكية إلى الغرب من خلال الراقص عدي شنكار مصحوباً بالموسيقى التي تعزفها آلات تقليدية.

وفي المسرح الصيني والياباني، لعب الإيماء دوراً مرموقاً حيث أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأنواع الدراميّة الرئيسية.

فقد كان هناك مزامنة مذهلة بين الحركة والإشارة في الدراما الصينية، وقد حمل الإيماء سمات رمزيّة مرتبطة بالمرحلة.

كان الإيماء هائلاً وعظيماً بشكل أو بآخر، وقد يكون مبهماً لغير المعتادين على الأشكال الفلكلورية.

في الزمن المعاصر:

تطوّرت الفنون الإيمائية المعاصرة لتصبح صامتة بشكل كلي.

حيث بات إيصال المعاني يتمّ بشكل كلي عبر الإشارات والتعابير والحركات.

ويمكن استشعار تأثير الإيماء بشكل كبير في فنون عظيمة مثل الباليه، حيث تعبّر الرقصات المشكّلة بطريقة كلاسيكية من خلال وصفيّة صامتة عن المغزى الدرامي للرقصات.

وقد وجد الإيحاء طريقه إلى السينما والتلفزيون ليحقق نجومه نجاحات هائلة.

مثل تشارلي تشابلن وبين توربين في السينما، ومثل سيد سيزار وإيميت كيلي في التلفزيون.

وقد وصل فنّ الإيماء إلى ذروة نجاحه في فرنسا، حيث ارتبطت ممارسته بالرموز الفلسفيّة الثقيلة.

واضطلع بهذه المهمّة كأشهر شـخصيات: إيتيان ديكرو وجان لوي بارول ومارسيل مارسو.

وقد عرّفت مارسو التمثيل الإيمائي الصامت بأفضل تعريف، حيث قالت بأنّه:

«فنّ التعبير عن المشاعر من خلال الحركات والرموز، وليس مجرّد وسيلة للتعبير عن الكلمات من خلال الإيماءات».

أنا لا يمكنني تخيّل عالمٍ لا تمثيل إيمائي فيه، سواء بشكل مباشر أو عبر تأثيراته في الفنون المختلفة.

هل يمكنكم تخيّل عالم مليء بالكلام دون إيماءات؟


بقلم: عروة درويش

المراجع:

R.J. Broadbent, A history of Pantomime.

Annette Lust, The Origins and development of the Art of Mime.

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *