fbpx
السبت , ديسمبر 7 2019
الرئيسية / منوعات / من ضيّع اللحن في الزحام؟ حقيقة تجربة جوشوا بيل

من ضيّع اللحن في الزحام؟ حقيقة تجربة جوشوا بيل

«إن لم نحظى بلحظة للتوقف والاستماع لأحد أفضل الموسيقيين في العالم وهو يعزف أفضل ألحانه، فكم من الأشياء الأخرى نضيّعها على أنفسنا؟».

هذا ربّما من أفضل التعليقات التي كُتبت على ما بات يسمّى بشكل شهير:

«تجربة جوشوا بيل»، أو ما يشار إليه في بعض الأحيان: «عزف الكمان في المترو».

لقد انتشرت هذه التجربة عبر فيسبوك بحيث فقدت بالنسبة للكثيرين رونقها وباتت مكررة.

ولمن لا يعرفها فهي باختصار كالتالي:

قام جوشوا بيل، وهو أحد أشهر عازفي الكمان في العالم، بالتعاون مع واشنطن بوست

بإجراء تجربة صحفية تحت مسمّى «تجربة اجتماعية سلوكية»:

تخفى بزي عازفٍ جوّال، ونزل إلى المترو في واشنطن عام 2007، وهمّ بالعزف لمدّة 45 دقيقة.

عزف مقطوعات كلاسيكية صعبة ومعقدة ممّا يعزفه في حفلاته عادة.

عزف على كمان قيمته 3.5 مليون دولار، يعزف فيه في حفلاته التي ثمن بطاقاتها وسطياً 100 دولار.

كانت نتائج هذه التجربة مخيبة للآمال بالنسبة لجوشوا وللصحيفة المنظمة لها،

فرغم مرور 1077 شخصاً تحديداً، لم يتوقف للاستماع إليه سوى سبعة منهم،

بينما قام نحو عشرين آخرين بتقديم المال له وهم في عجالة.

انتشرت هذه النتائج «المخيبة» في حينه كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام،

وكان أغلبها يقدمها بحسّ درامي سوداوي وبكلمات تعبّر عن الذائقة الفنية التي تنحدر باستمرار.

حتّى أنّ إحدى الصحف عنونتها: «يخفي حقيقته الجميلة ليعري حقيقتنا البشعة».

ولا يزال فيديو هذه التجربة ينتشر عبر الشبكة حتّى الآن.

وقد تبع الكثيرون هذه الموضة وقاموا بتجاربهم الخاصة،

وجميعها وباختلاف آلات العزف أو عدد العازفين أدّت تقريباً لذات النتائج.

ويمكننا أن نجد الكثير منها على الشبكة رغم عدم اشتهارها كما حدث مع فيديو بيل.

حتى بيل نفسه أعاد تجربته في عام 2014، وكان بصحبته تسعة عازفين شباب.

لكنّه أعلن عن ميعاد «حفلة الميترو» هذه المرّة في وقت سابق،

وأعلن أنّ هدفها مختلف عن التجربة الأولى، وهو هذه المرّة لمناصرة قضيّة: «تعلّم الموسيقى».

لكن هل حقّاً نتائج هذه التجربة «مخيبة للآمال»؟

أولاً وقبل كلّ شيء أريد أن أستعير كلام البروفسورة كاري ستيكل:

«قد تكون تجربة جميلة، ولكنّها ليست تجربة علمية بل مجرّد حدث صحفي».

إنّها بلا شك تجربة جميلة وقصّة يطيب إعادة رويها مراراً،

وقد حصل الصحفي جين وينغارتن على جائزة بوليتزر عنها،

ولكن هل يجعل هذا نتائجها ذات قيمة إحصائية عامّة؟

هل يجعل عدم نجاحها الناس الذين مرّوا ولم يتوقفوا أقلّ تذوقاً للموسيقى؟

هل يمكن أن تكون المشكلة في جوشوا بيل وفي أداءه؟

هل الظرف والتوقيت كانا ملائمين للتجربة بغض النظر عن الازدحام؟

إنّها جميعاً تساؤلات منطقية وفي مكانها ويجب أن نطرحها حتّى نكون منطقيين،

لكن مهما كانت الإجابة، فلن تكون أكثر من تخمين.

نعم تخمين، ففي غياب الضوابط المستخدمة في التجارب العلميّة والهدف المحدد،

لا يمكن للمرء أن يستنتج إلّا القليل، سواء من هذه التجربة أو من مثيلاتها.

فلو أتنيا لأمر الظرف والزمان فعلينا أن نضع أنفسنا في مكان المارّة،

أو كما يقول المثل الأمريكي، علينا أن «نرتدي أحذيتهم» لنفهم شعورهم.

فأنت في طريقك إلى العمل، ويعني تأخرك خسارتك وظيفتك أو حصولك على تنبيه أو إنذار.

فهل كنت لتتوقف لتستمع إلى عزف جميل من مجهول؟

من ناحيتي لن أقف حتّى لو كانت شبيهة ماجدة الرومي تغني

(هي بالنسبة لي أكثر تشويقاً من جوشوا بيل فضعوا المفضل لديكم واحكموا).

إنّ توقّع توقف المارّة في مثل هكذا ظرف والحكم عليهم بشكل سلبي فيه إجحاف بحقهم.

لقد عملت فترة في إسطنبول حيث هناك عشرات العازفين يجلسون في أروقة محطات المترو،

كان بعضهم يعزف بشكل جميل بحق، وكنّا نتوقف لنستمتع إليهم في المساء في بعض الأحيان،

لكن ليس في الصباح ونحن متجهون إلى أعمالنا.

حتّى جوشوا بيل نفسه أدرك هذا، فلم يُعد تجربته في الصباح بل في الساعة 12:30 ظهراً،

أي في وقت استراحة الغداء لدى العمّال الأمريكيين.

وكما قلت من قبل، لن يكون لدينا أكثر من جواب تخميني يعتمد على بعض الاستدلال المنطقي.

فالبعض يرى بأنّ المشكلة كانت في جوشوا بيل نفسه (أو في الذين قلدوه).

فكما قالت ناتاليا باروز، وهي عازفة معتادة في محطات المترو، شهيرة بعزفها على منشار وتحمل لقبه:

«ليس المشكلة في المارّة، بل في جوشوا بيل فهو ليس جوّالاً جيداً».

فالعزف في محطة مترو، ولو كان العازف من أفضل عازفي الكمان في العالم، ليس ذاته العزف في قاعة.

فكما تقول ناتاليا:

«هناك عازفون لا يملكون نفس موهبته مثل جيم غراسي أو لورنزو لا روك،

يمكنهم أن يحملوا حشوداً على التوقّف ليستمعوا لعزفهم».

إنّ العازف الجوّال هو الشخص الذي يمكنه تحويل أيّ مكان إلى مسرح.

وقد وصفت ناتاليا العازف الجوّال بأنّه:

«ليس شخصاً يختبئ خلف آلته. فعندما تكون عازفاً جوالاً فأنت تستخدم المارّة كما لو أنّهم ألوان

وموسيقاك هي فرشاة الألوان، وهدفك أن تخلق فناً جماعياً بالمشاركة مع هؤلاء الناس».

ليست تجربة العزف في الميترو هي الوحيدة من نوعها،

فهناك الكثير من التجارب الشبيهة لها، وربما أشهرها هي «توقّف وشمّ الورد».

ولكن كما قلنا فإنّ المشكلة في مثل هكذا تجارب هي أنّ نتائجها «تخمينية».

نشرت دراسة عام 2012 تشير، من بين دراسات أخرى لها نفس الموضوع،

إلى أنّ تقدير المعنى الكامن في الأشياء والأشخاص يلعب دوراً كبيراً جداً في زيادة سعادتهم الكليّة.

وهو الأمر الذي يجب أن نحاول لأجله أن نستمتع بحياتنا أكثر.

لكنّ تجربة العزف في الميترو قد تفيدنا في تخمين ماهو أهمّ بكثير من سلوك الناس السلبي،

وهو: السبب في هذه السلبية.

فالأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي بات يعيشها المرء قد حرمته حقيقة من الاستمتاع بالحياة، فكيف لنا أن نطلب من شخص يعمل بدوامين أن يجد الوقت والجلد ليقرأ

أو يشاهد مسرحيّة؟

أو كيف لنا أن نطالب ماراً في الشارع يخشى إن هو تأخر عن العمل أن يبقى في الشارع

أو أن يفكر بأنّ عليه أن «يجد المعنى في الأشياء».

لقد وصلت بنا الحياة إلى حرماننا من اللعب مع أطفالنا وزيارة أهلنا كما ينبغي

إنّ مثل هذا التغريب قابل للحل إن تمّت معالجة أسبابه،

وبعدها يمكن أن نتوقع من الناس أن يلتفتوا للجمال وهم في المترو أو الشارع أو في أي مكان،

فبالنهاية، البشر يحبون الفنّ والجمال بشكل فطري.

وقد عزفوا ورسموا قبل أن يولد التاريخ حتّى.

بقلم: عروة درويش

المراجع:

Washington Post

Mental Health Help

Elsevier

SawLady

اقرأ ايضا

استحواذ أوبر على كريم ما الذي ينتظره مستقبل النقل؟

بعد جولات المفاوضات العديدة التي بدأت في منتصف عام 2018 بين شركتي النقل التشاركي أوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *