fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / حياة و مجتمع / أحلام اليقظة تعزز القدرات الاجتماعية

أحلام اليقظة تعزز القدرات الاجتماعية

أتذكرون المرّة الأخيرة التي شردتم فيها؟ مالذي كنتم تفكرون به حين ولجتم أحلام اليقظة؟. هل عدتم للماضي ومواقفه، أم فكرتم بخطط للمستقبل، أم أطلقتم العنان لأنفسكم الداخلية لتنغمس فيما تهوى من المشاعر والأفكار؟. غالب الظنّ أنّكم عندما شردتم، لم تكونوا وحيدين في خيالاتكم، بل دمجتم أشخاصاً آخرين فيها. ربّما كانوا من معارفكم أو من المحيط البعيد عنكم، أو ربّما حتى من صورة أو فيلم.

لكنّ هذا الشرود مفيد. وليس فقط في سياق وحيد بل في مجموعة من السياقات الصحيّة والاجتماعية، ومنها سياق التأقلم الاجتماعي. فعندما لا يكون دماغك مشغولاً، هناك شبكة من المناطق العصبية تدعى «شبكة الوضع الافتراضي» تنشط بشكل آلي وتخرج إلى السطح. تسمح لنا هذه الشبكة بتحويل انتباهنا إلى دواخلنا وإلى أحلام اليقظة. وهي إضافة لذلك تساعدنا على التطلّع خارجاً وتخيّل نفسنا في مكان أشخاص آخرين.

  • دور «الموصّل» و «القشرة»

هناك منطقتان في الدماغ تسميان:

الموصّل الصدغي الجداري «Temporoparietal junction» وقشرة الفصّ الجبهي الأوسط «Media Prefrontal Cortex». تقوم هاتان المنطقتان بالإضافة لدورهما في شبكة الوضع الافتراضي بلعب دور مراكز معالجة هامّة للمعلومات الاجتماعية. يساعدنا «الموصّل» على تقييم السمات الشخصية والعواطف والحالات الذهنية للبشر الآخرين. بينما تنشط «القشرة» عندما ننخرط في التأمل بذواتنا والتفكير بصفاتنا وبمكانتنا الاجتماعية.

الموصّل الصدغي الجداري «Temporoparietal junction» وقشرة الفصّ الجبهي الأوسط «Media Prefrontal Cortex». تقوم هاتان المنطقتان بالإضافة لدورهما في شبكة الوضع الافتراضي بلعب دور مراكز معالجة هامّة للمعلومات الاجتماعية. يساعدنا «الموصّل» على تقييم السمات الشخصية والعواطف والحالات الذهنية للبشر الآخرين. بينما تنشط «القشرة» عندما ننخرط في التأمل بذواتنا والتفكير بصفاتنا وبمكانتنا الاجتماعية.

لطالما عرف العلماء الوظائف المتباينة لهاتين المنطقتين، لكنّهم لم يعرفوا كيف تتلاءم المناطق الاجتماعية مع «شبكة الوضع الافتراضي». نشرت في 2018 دراسة حديثة في «مجلّة القشرة الدماغية»، وهي المجلّة المختصة بعلم الأعصاب والصادرة عن جامعة أكسفورد. تشير الدراسة إلى أنّ الراحة هي وقتٌ حاسم في تقديم «المنطقتين» المعلومات المتعلقة بالأشخاص ومهنهم وكذلك سماتهم المادية والشـخصية، إلى الذاكرة. تشترك المنطقتان في البدء عندما نقابل أو نعلم شيئاً بخصوص أشـخاص جدد. ثم تعودان في وقت لاحق في أثناء وقت الراحة، بوصفهما جزء من شبكة الوضع الافتراضي، لتعالجا المعلومات الشخصية.

تقول مديرة الدراسة ميغان ماير، وهي بروفسورة علم نفس عصبي في كليّة دارتموث:. «قد يساعدنا اشتراك هاتين المنطقتين أثناء الراحة على استيعاب المعلومات الاجتماعية بشكل متسق. فربّما ينظم الدماغ أولوياته بشأن المعارف الاجتماعيّة، وهذه يفسّر سبب النزعة لإشراك هاتين المنطقتين بشكل افتراضي».

  • الدراسة ونتائجها:

طوّر فريق ماير آلية لتنفيذها عبر «ماسحة التصوير بالرنين المغناطيسي» لمعرفة ما كان يحدث في الدماغ بعد تلقي المعلومات الاجتماعية الجديدة. تناوب تقديم المشاركين بالمعلومات الاجتماعية وغير الاجتماعية مع فترات الراحة. ضمن السيناريو الاجتماعي، رأى المشاركون صورة لشخص ومعها لقبهم الوظيفي وصفتين شخصيتين له. بينما تضمن السيناريو غير الاجتماعي صوراً لمناطق جغرافية، واسم البلد حيث يوجد المكان وصفتين له. وبعد قيام المشتركين بالمهمّة، طلب إليهم الراحة السماح لأدمغتهم بالتحليق بعيداً دون ضابط.

وجد الباحثون بأنّ «الموصّل» و «القشرة» قد عززا من ارتباطاتهما ببعضهما البعض أثناء فترة الراحة التي أعقبت المهمة الاجتماعية. وقد أدّى هذا التواصل المعزز إلى ذاكرة أفضل فيما يخص المعلومات الاجتماعية لاحقاً. وفي تطوّر مدهش، شهد الباحثون اتصالاً أكبر حتّى بين المنطقتين أثناء الراحة بعد المرور بالمهمّة غير الاجتماعية. لكن كان هذا مشروطاً بمرور المشاركين بالمهمّة الاجتماعية أولاً. وقد عقبت ماير على ذلك. فعودة المنطقتين للنشاط بشكل سريع متى تفرّغ الذهن، حتّى لو كانتا تقومان بفعل آخر في وقت الانشغال، ليس محتملاً كونها مصادفة. تقول: «يبدو بأنّ أدمغتنا مهيئة لتحقيق أقصى قدر من التعلّم الاجتماعي. يشبه ذلك ردّ الفعل الذي يحدث عندما لا يكون علينا القيام بشيء آخر». أي ليساعدنا في استكشاف بيئتنا الاجتماعية.

  • الذاكرة القصيرة والذاكرة طويلة الأمد:

قالت جيسيكا أندروز هانّا، بروفسورة علم النفس العصبي في جامعة أريزونا، وهي التي لم تكن مشتركة في الدراسة. «كانت الدراسة ممتازة، ومنحتنا إسهامات جديدة هامّة. إنّ وصولنا إلى أنّ الفترات القصيرة جداً من التعطل الذهني تسمح لأدمغتنا بفعل شيءٍ مفيد وفاعل هو اكتشاف هامّ بحق».

كما أكدت الدراسة على كان العلماء يعتقدونه بشأن عمليّة التذكر في أدمغتنا. فعندما نرتاح، تصبح منطقة في الدماغ تدعى بالحُصين «Hippocampus» نشطة. فتقوم أثناء نشاطها باسترجاع الأحدث الأخيرة لتقوم بنقلها من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الطويلة. فخلال الراحة التي أعقبت المهمة الاجتماعية، اتصلت قشرة الفصّ الجبهي الأوسط بالحُصين. ويدعم هذا الاتصال الفكرة بأنّ المنطقتين الاجتماعيتين لهما دورٌ فاعلٌ في الذاكرة. تقول جيسيكا أندروز: «أحد الأسباب الرئيسية في كوننا نأخذ استراحات، حتّى ولو كانت قصيرة، أثناء اليوم. هي مساعدتنا في الإبقاء على المعلومات لفترة أطول ونقلها إلى الذاكرة طويلة الأمد. إنّ دراسة ماير هي الأولى من نوعها التي توسع هذه المكتشفات إلى المعلومات الاجتماعية وذاكرتنا عن الأشخاص الآخرين».

  • التطبيقات العملية لهذا الأمر:

تقول ماير بأنّ إحدى أهمّ التطبيقات العملية لهذه المكتشفات: هي أنّ الأشخاص يحتاجون لأخذ عدد استراحات أكبر خلال اليوم. تقول: «أعتقد بأنّ البيانات التي وصلنا إليها تظهر لنا بأنّ شرود الإنسان ضمن شبكة الوضع الافتراضي ليس بالضرورة أمراً سيئاً. فهو قد يساعدنا على القيام بشيء هامّ جداً لنا، بأن يساعدنا على تعلّم المعطيات الاجتماعية». وهي تعطينا مثالاً: «فأخذك لاستراحة بعد اجتماع هام قد يساعدك على التقاط كلّ الأشياء الاجتماعية التي شهدتها».

إنّ قيام دماغنا بتنظيم أولوية تعزيز الشبكات الاجتماعية لهو أمر يستحق أن نعرفه. علينا جميعاً في وقت ما أن نعود إلى نقطة الأساس أثناء النهار. علينا كي نترك المجال لدماغنا أن ينشّط ويفعّل الوضع الافتراضي أن نأخذ استراحات أكثر خلال النهار. ربّما تكون الاستراحات التالية للأحداث الهامّة والكبيرة هي الأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا. لكن علينا أيضاً أن لا نغفل عن أهميّة الاستراحات في الأوقات العادية. فنحن غير قادرين على حصر المعلومات التي سيستحضرها الدماغ فقط في المعلومات المباشرة التي لدينا.

أعتقد بأنّ الإجابة باتت واضحة لدينا لهؤلاء الذين يتهموننا بأننا نشرد كثيراً، أو نسرح بخيالنا كثيراً.

إعداد: عروة درويش

المراجع:

مجلّة القشرة الجبهية، 2018

دانا سميث، ساينتفيك أمريكان، 2018

اقرأ ايضا

امستردام عروسُ هولندا الفاتنة

إذا كُنا نتحدث عن هولندا، فأول ما سيتبادرُ إلى أذهاننا مدينةُ الزهور، فقد اشتهرت هولندا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *