fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / حياة و مجتمع / تعليم / التعليم في فنلندا معنى أن تكون موضوعياً لا أسطورياً

التعليم في فنلندا معنى أن تكون موضوعياً لا أسطورياً

من منّا لم يسمع عن جودة التعليم في فنلندا؟

من منّا لم يمرّ لمرّة واحدة على الأقل خلال السنوات الأخيرة على مقال يدعي معرفة «السرّ الجوهري للاستثنائية التعليمية الفنلندية»؟

من منّا لم يتمنى أن تحاكي بلاده هذه التجربة الناجحة بحق؟

لكن لا أظنّ أنّ موضوع التجربة مقتصر على أسبابها المباشرة وحسب،

ولا أظنّ أن مقالاً واحداً، سواء أكان مقالنا هذا أم أيّ مقال آخر،

كافٍ للوقوف على جميع تفاصيل التجربة الفنلندية الناجحة.

فجميعنا مثلاً نعلم بأنّ المساواة عنصر أساسي في نجاح التجربة الفنلندية.

لكنّ المساواة وحدها، رغم كونها شرطاً لازماً، ليست كافية لتكون حاملاً رافعاً لنظام تعليميّ بأكمله.

سنحاول هنا أن نلقي الضوء دون ادعاءات أسطورية على بعض النقاط الموضوعية في النظام التعليمي الفنلندي.

ومن الضروري أن نكون موضوعيين أيضاً بدورنا

وأن نعترف قبل أن نبدأ بأننا نحتاج كي نحاكي التجربة الفنلندية إلى أكثر من مجرّد تغيير النظام التعليمي في بلداننا.

فالمساواة في فنلندا مثلاً لم تقتصر يوماً على النظام التعليمي،

بل كانت تجاوزها إلى بقيّة مناحي الحياة

لتشكّل ثقافة مجتمع ينعكس بشكل أو بآخر على نظامه التعليمي،

وأشهر مثال هي المخالفة المرورية التي تحسب غرامتها بشكل تصاعدي تبعاً لدخل المرء،

والتي بلغت 60 ألف دولار دفعها أحد الأثرياء

الفاسدين المدعو كيسلا (اعترض بعدها على المخالفة وكتب على حسابه على الفيسبوك:

إنّ الحياة لمن يملك المال والثروة في فنلندا مستحيلة).

أولاً يجب أن نتحدث عن الأشياء المجانية،

فالتعليم في فنلندا مجاني لكل المراحل، من مرحلة ما قبل الابتدائي ووصولاً لمرحلة التعليم العالي.

كما يتم توفير الكتب الدراسية والوجبات اليومية ووسائل النقل للطلاب المقيمين بعيداً عن المدرسة

مجاناً للطلاب ولأولياء أمورهم في مرحلتي التعليم قبل الابتدائي والتعليم الأساسي.

لكن يقوم الطلاب وذويهم بشراء كتبهم الخاصة في مرحلة التعليم الثانوي والتعليم العالي.

كما يحقّ للطلاب في المرحلة الثانوية الحصول على وجبة مجانية،

وتقوم الدولة بدعم الوجبات المقدمة في مرحلة التعليم العالي. كما يوجد نظامٌ متكامل للمنح والقروض الدراسية.

ويمكن منح مساعدة ماليّة للدراسة بدوام كامل في إحدى مدارس الثانوية المرحلة الثانية أو المؤسسات المهنية أو مؤسسات التعليم العالي.

وبالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصّة:

تحرص المبادئ التعليمية في فنلندا على إدراج تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل أساسي في التعليم النظامي.

وإذا تعذّر تعليم أي تلميذ في مجموعة تعليمية عادية،

فيجب قبوله في التعليم الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة، وهو نوع تعليم يتوفر في المدارس العادية عادة.

ويجب أن يحصل جميع الطلّاب على الدعم التعليمي عالي الجودة في مرحلة التعليم الإلزامي.

فإذا لم يستطع الأطفال التكيّف بشكل ملائم مع التعليم النظامي رغم توفّر أشكال الدعم العام أو المكثف اللازمة،

فيجب منحهم دعماً خاصاً. والغرض الرئيسي من الدعم الخاص هو تزويد التلاميذ بالمساعدة الشاملة والمنظمة

حتّى يتمكنوا من إتمام التعليم الإلزامي والتأهّل للتعليم الثانوي.

وفي التعليم والتدريب المهني،

يتمّ توفير خطّة تعليم فرديّة لكلّ طالب من الطلاب الذين يحتاجون للتعليم المخصص لذوي الاحتياجات الخاصة.

ويجب أن تحدّد هذه الخطة تفاصيل المؤهلات المطلوب اكتسابها والمتطلبات المطلوب الإيفاء بها كي يتم تكييفها مع إجراءات الدعم المقدمة للتلميذ.

إنّ اللغات الرسمية في فنلندا هي: الفنلندية والسويدية.

ولكن هناك مجموعات تتحدث لغات أخرى، مثل لغة السامي في إقليم لابلاند شمالي البلاد، والغجر، وبعض الأقليات الأخرى.

وتلتزم السلطات المحلية بتوفير الخدمات والفرص التعليمية لهؤلاء، إضافة لمتحدثي لغة الإشارة،

من أجل إعدادهم وتمكينهم من دخول مراحل التعليم الأساسي أو الثانوي.

تتميز فنلندا بتاريخ طويل من المشاركة والترويج لتعليم الكبار.

وتعليم الكبار شائع جداً ونسبة المشاركة مرتفعة أيضاً على المستوى الدولي.

إن الأهداف الرئيسية لسياسة تعليم الكبار هي توفير قوى عاملة ذات كفاءة،

وتوفير فرص تعليمية لجميع السكان البالغين وتعزيز الترابط الاجتماعي والمساواة.

وتدعم هذه السياسات التعليمية الجهود الرامية لزيادة معدل التوظيف وتحسين الإنتاجية وتطبيق الأوضاع المناسبة للتعلم مدى الحياة وتعزيز تعدد الثقافات.

تقوم المؤسسات التعليمية بتنظيم التعليم والتدريب المعد للكبار في جميع مستويات التعلم.

وتم بذل جهود حقيقية لزيادة مرونة الشروط إلى أقصى حد ممكن حتى يتمكن البالغون من الدراسة بجانب أعمالهم.

تشمل سياسة تعليم الكبار التعليم والتدريب اللذان يؤديان إلى الحصول على درجة أو شهادة

والتعليم الحر وتنمية قدرات العاملين وغيره من التدريب الذي يقدمه أصحاب العمل أو يحصلون عليه.

وبالتأكيد هناك التدريب الذي يستهدف العاطلين عن العمل.

التعليم في مرحلة ما قبل الابتدائي والتعليم الأساسي هو جزء من الخدمات البلدية الأساسية التي تتلقى قانونياً تمويلاً من الحكومة.

ويعتمد التمويل القانوني من الحكومة على عدد الأطفال في عمر 6 إلى 15 المقيمين في نطاق البلدية، وعلى الظروف الخاصة بالبلدية.

وهذا التمويل غير محدد وتستطيع البلدية تحديد كيفية تخصيص هذا التمويل.

يبلغ التمويل القانوني من الحكومة لخدمات البلدية الأساسية حوالي ثلث التكاليف المحسوبة.

بالنسبة لتمويل المؤسسات الجامعية للعلوم التطبيقية،

تخصص الحكومة الموارد في شكل تمويل أساسي يعتمد على أسعار الوحدات لكل طالب، وتمويل المشروع والتمويل القائم على الأداء.

فعلى سبيل المثال: الدرجات الكاملة هي جزء من التمويل القائم على الأداء.

كما تمتلك المؤسسات الجامعية للعلوم التطبيقية مصادر تمويل أخرى مراقبة. يتم تشـجيع موفري الخدمات التعليمية لتحسين نتائجهم في التدريب المهني

وفي تمويل المؤسسات الجامعية للعلوم التطبيقية من خلال التمويل القائم على الأداء.

إنّ الجامعات الفنلندية مستقلة تعمل بموجب قانون عام أو مؤسسات تعمل بموجب قانون خاص.

وتلزم كل جامعة مع وزارة التعليم والثقافة بوضع أهداف عملية ونوعية للجامعة وتحديد الموارد اللازمة كل ثلاث سنوات.

كما تحدد الاتفاقية كذلك كيفية تقييم تلك الأهداف. وتتلقى الجامعات تمويلاً من الدولة وكذلك من مصادر أخرى مراقبة.

يتحمل موفرو الخدمات التعليمية مسؤولية إجراءات التعليم العملية،

ناهيك عن فعالية وجودة التعليم الخاص بذلك. فلا يوجد لوائح تنظيمية تتحكم بحجم الصفوف كمثال.

ويتمتع كل من موفري الخدمات التعليمية والمدارس بالحرية في تحديد كيفية تصنيف التلاميذ والطلاب في مجموعات.

تحدد السلطات المحلية مقدار الاستقلالية الممنوح للمدارس طالما يتم تنفيذ المهام الأساسية التي يحددها القانون.

وفي حالات عديدة تتحمل المدارس مسؤولية إدارة الميزانية وعمليات الشراء والتوظيف.

قامت فنلندا بإلغاء عمليات التفتيش على المدارس في أوائل التسعينيات.

ويهدف هذا المبدأ التعليمي إلى الحث على التوجيه من خلال المعلومات والدعم والتمويل.

هناك اهتمام كبير بالتقييم الذاتي للمدارس وموفري الخدمات التعليمية، والتقييمات الوطنية لنتائج التعلم.

ويتم إجراء التقييمات الوطنية لنتائج التعلم بانتظام،

بحيث يتم إجراء اختبار كل عام إما في اللغة والأدب أو في الرياضيات.

على أن يتم تقييم المواد الأخرى بحسب خطة التقييم الخاصة بوزارة التعليم والثقافة.

ولا تقتصر عملية التقييم على المواد الدراسية فحسب بل تشمل كذلك مواد مثل الفنون والحرف وموضوعات المناهج متعددة التخصصات

لا توجد اختبارات وطنية للتلاميذ في مرحلة التعليم الأساسي في فنلندا.

وعوضاً عن ذلك يقوم المدرسون بعملية تقييم للمواد الخاصة بهم بناءً على الأهداف المحددة في المنهج الدراسي.

كما يسـجّل المدرسون الدرجات في شهادة التعليم الأساسي (وهي الشهادة النهائية التي يتم منحها في نهاية العام التاسع)،

ويتم بناءً على هذا التقييم اختيار التلاميذ لإتمام الدراسة وهكذا فإنّ المنهج الأساسي الوطني يحتوي على التوجيهات الخاصّة بالتقييم في جميع المواد.
يقول البعض بأنّ التجربة الفنلندية محصورة ضمن حدود فنلندا فقط،

بينما يقول آخرون بأنّه يمكن تعميمها. وسواء كان هذا أو ذاك،

فالأكيد أن «الاستثنائية الفنلندية» ليست استثنائية بالمعنى السـحري أو بمعنى التفوّق العرقي أو المناطقي أو ما إلى ذلك من الأحاديث الخيالية الأسطورية.

لكن ما هو مؤكد أنّ الفنلنديين ونظامهم التعليمي لديهم أسباب موضوعية، مباشرة وغير مباشرة،

للتفوّق يجب أخذها بعين الاعتبار عند إجراء أيّ عمليات تحسين أو تحديث خاصّة بالتعليم في أيّ مكان بالعالم.

بقلم: عروة درويش

المراجع:

Michael Booth, The almost nearly perfect people, 2016.

Finnish National Agency for Education.

اقرأ ايضا

مراحل التعليم أربعة فإلى أي مرحلة وصلت؟

يمكن تعريف التعليم بأنه تحصيل أكبر من تحصيل معرفي نقوم به بشكلٍ دوري ومتكرر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *