fbpx
الجمعة , أكتوبر 18 2019
الرئيسية / المراة / الخنساء سيدة الموت و الرثاء

الخنساء سيدة الموت و الرثاء

لا تخلو مدينةٌ عربيةٌ من مدرسةٍ أو شارعٍ يحمل اسمها، و إن لمع نجم شاعرةٍ عربيةٍ يقولون لها ” أنت خنساء زمانك”، الخنساء هذا الاسم الذي سمعناه و قرأنا عنه كثيرا فلا يخلو كتاب أدبٍ مدرسيٍ من قصيدةٍ للخنساء… فمن هي هذه المرأة؟ و هل يصدقُ أحدٌ أن الموت الذي يسرق من امرأة أحب الناس إليها و أقربهم لقلبها هو سبب شهرتها؟ نعم إنه الموت و لسانها الذي ما كفّ يوما عن قول الرثاء لتكون أشعر النساء.

من هي الخنساء؟

واسمها تماضر بنت عمرو السلمية (575م – 24 هـ / 645م)، صحابية وشاعرة مخضرمة من أهل نجد أدركت الجاهلية والإسلام وأسلمت، واشتهرت برثائها لأخويها صخر ومعاوية اللذين قتلا في الجاهلية. لقبت بالخنساء بسبب ارتفاع أرنبتي أنفها. و قد عاصرت الجاهلية ثم أسلمت فكانت صحابيةً جليلة حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصغي لأشعارها فيقول لها ” هيه يا خناس”.



زواج الخنساء :

إن  صورة الخنساء بالقدر الذي يمكننا من أن نصفها -واثقين- بأنها كانت ذات حسب وجاه وشرف. وأنها كانت ذات جمال أّخاذ، وتقاسيم متناسقة… لذا شبهوها بالبقرة الوحشية. والعربي إذا تغزل في الأنثى، وأراد التعبير عن جمالها، شبهها بذلك. لكن هذا التشبيه لتماضر لم يكن في معرض غزل طارئ، وإنما هو تشبيه صار لها لقباً غالبا على اسمها وكنيتها.

كانت ذات أمر بالغ، وجاذبية طاغية، أطلقت الألسن فواجهتها بحقيقتها، فعرفت ما تملك في يدها من سلاح، كما عرفت قيمة ذلك السلاح. لم يكن في حياتها ما يقلقها، ويقض مضجعها – شأن مثيلاتها في أول العمر، ومقتبل الشباب- فقد أضفى عليها مركز قبيلتها، ومكانة أسرتها، وسيادة أبيها كل أسباب الطمأنينة، كما قد أفاض عليها جمالها وحسنها ما محا من حياتها القلق، وأزال عنها الاضطراب.

و في زمانٍ كان لا يهتم أهل الفتاة برأيها فيمن يتقدم لخطبتها رآها ” دريد بن الصمة” سيد بني جشم فأعجبته و وقع قلبه في غرامها فأنشد يقول :

حَيّوا تُماضِرَ وَاِربَعوا صَحبي

وَقِفوا فَإِنَّ وُقوفَكُم حَسبي

أَخُناسُ قَد هامَ الفُؤادُ بِكُم

وَأَصابَهُ تَبَلٌ مِنَ الحُبِّ

ما إِن رَأَيتُ وَلا سَمِعتُ بِهِ

كَاليَومِ طالي أَينُقٍ جُربِ

مُتَبَذِّلاً تَبدو مَحاسِنُهُ

ضَعُ الهِناءَ مَواضِعَ النُقبِ

مُتَحَسِّراً نَضَحَ الهِناءَ بِهِ

ضحَ العَبيرِ بِرَيطَةِ العَصبِ

فَسَليهُمُ عَنّي خُناسُ إِذا

عَضَّ الجَميعَ الخَطبُ ما خَطبي

و ذهب ليطلبها من والدها لكن والدها أبى أن يجيبه قبل أن يأخذ رأيها و موافقتها، فقالت الخنساء : ” يا أبت: اتراني تاركة بني عمي مثل عود الرماح، وناكحة شيخ بني جشم؟

فخرج إليه والدها و أبلغه رفضها، مع أن دريدا كان صديق أخيها معاوية، و قد حاول معاويةُ الضغط عليها لتتزوجه، لكنها رفضت  أن تتزوج رجلا من غير قبيلتها، و قد ساندها في هذا أخوها صخر الذي عُرِف بعطفه عليها، عرف فيها أبوها رجاحة العقل، واتزان الفكر، فأبى إلا ان يكون زواجها بعد موافقتها، ولم يكن ذلك حقا لكل ابنة، وانما هو خصيصة تمنح لمثيلات الخنساء.  لتتزوج فيما بعد من رجلٍ يدعى عبد العزى لكنه كان رجلا مقامرا يخسر ماله فيلجأ إليها فتعطيه و حين نفد مالها صارت تلجأ لأخيها صخر فيعطيها نصف ما عنده من مال، و يبدو أنها تعلقت بزوجها فصار يستغلها و يهددها إما أن تجلب له المال أو يرحل، فكانت تجلب المال من صخر ليبقى، لكن في يومٍ لم يعد لديها صبرا فعادت لمنزل والدها و لها منه ولد واحد

زواجها الثاني و موت زوجها و أبنائها :

ثم تزوجت من مرداس بن عامر السلمي، الذي كان معروفا بسخائه، لكنه مات في أحد المعارك فقد كان شهما نبيلا فرثته، لم يكن موت مرداس هو الموت الأخير في حياتها، ففي معركة القادسية، أرسلت أولادها الأربعة للجهاد في سبيل الدين و وصلها نبأ استشهادهم كلهم، فقالت بإباءٍ ما بعده إباء و قد تكللت المعركة بالنصر : “الحمد لله الذي شرفني بشهادتهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته” قالتها ولم تزد عليها ” و بعد موت أبيها و مرداس و أولادها الأربعة، رحل معاوية أخوها في إحدى الغزوات و مات هو الآخر، فكادت أن تنهار لولا وجود أخيها صخر إلى جانبها

موت صخر :

قرر صخر  أن يأخذ بثأر أخيه، و تابع غاراته على مرة حتى أصيب بجرحٍ قتال، وأصبحت حياته مملة، حتى أن امرأته سئلت عن حاله وقالت: بشر حال، لا حي فيرجى، ولا ميت فينعى، ولقد لقينا منها الامرين.

و بعد طول صراعٍ مع المرض مات صخر فكان آخر سندٍ لهذه الإنسانة العظيمة التي سرق الموت منها كل أحبتها ، فما قدرت على تمالك نفسها بعد موت صخر، فقد مات عزها ومؤنسها وملجؤها وحاميها، ولذا وجت به اعظم الوجد، وولهت أشد الوله، واقامت على قبره زمانا تبكيه وتندبه وترثيه.

وكما كان صخر في حياتها ملجأ الخنساء، يزيل عنها شكايتها، ويمسح عليها آلامها، كان بعد موتها ملجأها كذلك، خفف عنها ما كبتت في نفسها من احزان، وما ابتلعت من غصص، طالما اقلقتها واقضت منها المضاجع، فلما مات صخر انفجرت باكية من غير مساك. فهو أسى مجمع، وشجى أثمر مع الأحداث.

في يوم من الأيام طلب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: إن صخرًا كان الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أي منهما كان أسنى وأفخر؟ فأجابتهم: بأن صخر حر الشتاء، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أما صخر فجمر الكبد، وأما معاوية فسقام الجسد.

ولذا قيل: كان موت صخر بن عمرو ابن الشريد تاريخ ميلاد شاعرة كشف للعرب عن شاعرة بني سليم تماضر، نظراً لكثرة ما قالت فيه.

بهذا تكون الخنساء شاعرةٌ أعلن الموتُ عنها لتكون سيدة المراثي و سيدة البكاء و الرزايا، فظلت تكتب رثاءً إلى أن جاء أجلها و ماتت بعد أن أدركت نصر الإسلام المبين.

بقلم : خلود قدورة

اقرأ ايضا

فاطمة المرنيسي امرأةٌ تكسر القيود

إنّ بعض الأزمنةِ تكون مدموغةً بالصمت، و بعض المجتمعات تكون مكبلةً بقيودٍ تلجمُ فيها حراكا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *