fbpx
الجمعة , أكتوبر 18 2019
الرئيسية / المراة / المرأة العربية أيقونةٌ على صدر الزمان

المرأة العربية أيقونةٌ على صدر الزمان

شكلت المرأة العربية عبر العصورِ شخصيةً جدلية، فبرغم ما عانته من ظلمٍ  و تقييدٍ للحرية و حرمانٍ من الحقوق إلا أنها استطاعت أن تترك بصمتها المشرقة على مر الزمان و العصور و في مختلف المراحل و المجالات، ففي كلّ زمانٍ كانت المرأةُ العربيةُ تبرزُ لتثبتَ أنها قادرةٌ على تحدي الظروف و خوض الحياة من أوسع أبوابها، و رغم اختلاف ملامح الحياة في العصور القديمةِ عنها في العصور الحديثة إلا أنّ لكلِّ زمانٍ نساؤه المتميزات .

المرأة العربية في العصور القديمة :

حفر العرب القدماء تاريخهم على الجدران و عبروا عن حضاراتهم و عاداتهم عبر النحت و الرسم فتركوا رموزا و دلالاتٍ تدلّ على الدور الكبير للمرأة في ذلك الزمان، فدور المرأة لم يكن محدودا و لم يقتصر على كونها الزوجة و الأم بل استطاعت الكثير من النساء أن يطبعن أسماءهنّ على صدر التاريخ فتبوأن أعلى المناصب على امتداد الجغرافية العربية، ففي اليمن بلقيس ملكة سبأ و التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بقصةٍ مع النبي سليمان، و في سوريا برز اسم الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي و التي حكمت مدينة تدمر و حاربت ملوك روما بحكمةٍ و دهاءٍ عسكري عجز أمامه الرجال

كذلك كان حال “سميراميس” و “زكوتو ” ملكتا بابل اللتان حكمتا في بلاد الرافدين فحكم لهما التاريخ بالخلود، و حين نمرُّ بذاكرتنا على الحضارات العربية القديمة فلا بدّ أن نقف طويلا عند حضارة الفراعنة في مصر تلك الحضارةُ العظيمة و التي كان لها نساؤها العظيمات، فالحضارة الفرعونية من أكثر الحضارات إنصافا للمرأة حتى يومنا هذا ، ففي حين كانت المجتمعات تعتبر المرأة مكملةً للرجل كان الفراعنة يقدسون النساء فبدءا من التصوير و النقش على جدران المعابد نجد أن صور النساء تظهرُ بأحجامٍ متساويةٍ تماما مع صور الرجال تعبيرا عن العدالة و المساواة، و لم تقتصر تلك المساواة على الصور فحسب بل بلغت ذروتها في الطقوس الدينية فمن المعروف أن حضارة الفراعنة كانت محكومة بدين الآلهة و كان للمرأة دورا عظيما إلى جانب الآلهة من الرجال فكانت ” إيزيس” ربة القمر و الأمومة و ” سخمت آلهة الحرب” و كثيراتٌ غيرهنّ، كذلك فإنّ المرأة كانت ملكةً تستطيع حكم بلادها فمن منا لم يسمع بالملكة ” نفرتيتي” و الملكة  ” كليوباترا” التي حكمت مصر لعشرين عام.

و لا تكادُ قصةٌ من قصص التاريخ العربي تخلو من ذكر النساء و دورهنّ في توجيه دفّةِ الحياة.

المرأة العربية ما قبل الإسلام :

يتحدث التاريخُ عن وجوهٍ متعددةٍ للعادات و الأعراف في الزمن الذي سبق الإسلام أي في عصر الجاهلية، لكنّ ما هو متفقٌ عليه هو أن المرأة كانت في الغالب مظلومةً و مضطهدة، فقد حَكم الكثير من الآباء على بناتهن حديثي الولادة بالوأد لأن الفتاة بنظرهم تجلب العار، كما حُرمت من حقها بالإرث فكانت لا تُورّث و قد قسمت النساء لقسمين الأول هو قسم النساء الحرائر و الذي يضم نساء يتحدرن من أنسابٍ قبليةٍ عريقة و التي يملك أمرها وليّ أمرها فيزوجها كما يشاء و عليها الطاعة  و القسم  الثاني هو قسم الإماء حيث كانت المرأة تباع و تشترى ككل ما يملكه المرء من دابةٍ و جماد، و رغم سوء هذا الحال إلا أن التاريخ يذكر لها دورا فاعلا في الحرب و وكانت النساء تصاحب الرجال إلى ساحة القتال لمداوة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى، ولم يقتصر دورهن عند هذا الحد فحسب، بل بارزن بالسيف، وامتطين صهوة الجياد، ورفعن لواء الحرب، وكانت لبعضهن صولات وجولات لا تقل عن فرسان قبائلهن. أما في الحياة الأدبية فقد برزت نساء شاعرات، أجدن في نظم الشعر ،وقد امتلكن من فصاحة اللفظ ،وجزالة المعنى ما جعلهن على قدم المساواة مع فحول الشعراء  ، وكان من أشهرهن جليلة بنت مرة ، والخنساء التي بلغت من الفصاحة والبيان والشهرة ما أهلها لأن تقوم بالتحكيم بين كبار الشعراء المتنافسين، و بهذا نرى بأن وضع المرأة كان متفاوتا جدا و ربما يعود هذا نتيجةً لاختلاف الأعراف بين قبيلةٍ و أخرى.

المرأة العربية بعد الإسلام :

حرر الإسلام المرأة من قيودٍ كثيرة و أعطاها الكثير من حقوقها و تُعتبر مكانة المرأة في الإسلام من أهم الموضوعات التي يهتم بها الغرب، ولا يخفى علينا أنهم يتخذونها ذريعة للنيل من دين الإسلام والطعن فيه، ولكن أيضًا لا نغض الطرف عن أن هناك بعض المنصفين الذين قرأوا عن الإسلام بإنصاف وعبّروا عن آرائهم مثل مارسيل بوازار (مفكر وقانوني فرنسي معاصر).

حيث يقول: “إن الإسلام يخاطب الرجال والنساء على السواء ويعاملهم بطريقة (شبه متساوية) وتهدف الشريعة الإسلامية بشكل عام إلى غاية متميزة هي الحماية، ويقدم التشريع للمرأة تعريفات دقيقة عما لها من حقوق، ويبدي اهتمامًا شديدًا بضمانها. فالقرآن والسنة يحضان على معاملة المرأة بعدل ورفق وعطف، وقد أدخلا مفهومًا أشد خلقية عن الزواج، وسعيًا أخيرًا إلى رفع وضع المؤمنة بمنحها عددًا من الطموحات القانونية أمام القانون والملكية الخاصة الشخصية، والإرث”.

وكذلك المستشرق إميل درمنغم (مستشرق فرنسي، عمل مديرًا لمكتبة الجزائر) الذي يقول: “مما لاريب فيه أن الإسلام رفع شأن المرأة في بلاد العرب وحسن حالها”.

ويقول أيضًا: “من الخطأ الفاضح والغلو الفادح قولهم أن عقد الزواج عند المسلمين عبارة عن عقد تباع فيه المرأة فتصير شيئًا مملوكًا لزوجها، لأن ذلك العقد يخول للمرأة حقوقًا أدبية وحقوقًا مادية من شأنها إعلاء منزلتها في الهيئة الاجتماعية”، ونحن – المسلمون – نؤمن أن شريعة الإسلام شريعة عالمية عادلة تحقق المصالح للعالم، ولقد ارتقى الإسلام بمكانة المرأة وأولاها عناية فائقة، حيث جاء الإسلام ليقول {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف}، {وَعَاشِرُوهُــنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، {وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}، وتسمية بعض سور القرآن باسم المرأة كسورة “مريم”، بل وهناك سورة تسمى سورة “النساء”.

والتاريخ الإسلامي يؤكد لنا أن أول شهيدة في الإسلام هي امرأة تمسكت بالدين الإسلامي وبالتوحيد واستشهدت وهي تردد “أحد… أحد” وهو الشهيدة سمية من آل ياسر رضي الله عنهم . كما اشتركت النساء في مبايعة الرسول (عليه الصلاة والسلام) والمبايعة او البيعة معناها الانتخاب والتصويت طبقا لمصطلحاتنا الحديثة ، فقد بايعت النساء المسلمات النبي (عليه الصلاة والسلام) في بيعتي العقبة الاولى والثانية طبقا لما ذكرته كتب السنة وعن رواية للصحابية الجليلة أميمة بنت رقيقة حيث قالت ” جئت النبي (عليه الصلاة والسلام) في نسوة نبايعه فقال لنا فيما استطعتن وأطقتن ” . وهذه المشاركة النسائية في البيعة للرسول الكريم تعتبر اقرارا لحقوق المرأة السياسية طبقا لمصطلحاتنا اليوم إذ أن بيعة العقبة تعتبر عقد تأسيس الدولة الإسلامية الاولى في يثرب.

كما أن الإسلام منح المرأة حق الذمة المالية قبل كل الحضارات الأخرى التي كانت تعتبر المرأة ملكا لزوجها يتصرف هو في مالها بحرية وليس لها الحق في مراجعته وكان هذا هو حال المرأة الغربية في أوروبا منذ القرون الوسطى وحتى نهاية القرن التاسع عشر بينما المرأة المسلمة تمتعت بهذا الحق منذ ظهور الإسلام الذي كفل لها حق البيع والشراء وابرام العقود دون أي تدخل من أي رجل سواء أكان أبا او أخا او زوجا او ابنا.

المرأة العربية في أواخر القرن العشرين و أوائل هذا القرن :

حين تسأل أيّ شخصٍ عن المرأة في هذا الزمان يكون جوابه الأول هو أن المرأة هي نصف المجتمع، و لا شكّ بأن هذه الإجابة ترسم لنا ملامح عدالةٍ مفترضة، لكن ما مدى تطبيق هذه العدالة على أرض الواقع؟

يتفاوت وضع المرأةِ العربية كثيرا بين نساءٍ لازلن تحت سطوة الظلم و الاضطهاد و الجهل و نساءٍ أخذن كامل حقوقهن بعدالةٍ مطلقة و استطعن الوصول لأعلى مكانةٍ في المجتمعات و على جميع الأصعدة الاجتماعية و العلمية و السياسية و غيرها، و تعود أسباب هذا التفاوت لاختلاف البيئات و الأعراف بين منطقةٍ جغرافيةٍ و أخرى، فنجد مثلا المرأة في دول الخليج لازالت تعاني من التشدد و تقييد الحريات في حين أن المرأة في دول المغرب العربي تتمتع بحرية أكبر فمجتمعها يقبل تواجدها في كل الساحات و يرجع هذا لتأثرهم بالغرب بحكم المجاورة، أما في منطقة بلاد الشام فتجد الأمر أكثر اعتدالا فهي مجتمعات محافظة إلى حد ما لكن بوسطية و اعتدال و تنال المرأة الكثير من حقوقها و ظهرت على الساحات العربية العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة،

ربما تعتبر هذه الحقبة من الزمن مرحلةً مفصلية في حياة المرأة العربية فقد بدأت في أواخر القرن الماضي تنتفض على الظلم و تطالب بالحصول على كامل حقوقها و أهمها العلم، لأنها من العلم تنطلق إلى كل الآفاق فهي من خلاله تعرف مالها و ما عليها.

فاليوم نجد المرأة في كل ميدانٍ تعمل جنبا إلى جنبٍ مع الرجل ابتداءً من الأرض الزراعية و انتهاءً بأعلى مناصب السياسة، لكن هذه النهضة التي شهدتها المرأة العربية لم تؤثر على طبيعتها الأنثوية المحافظة، فهي لازالت تقيم اعتبارا للعادات و التقاليد و هي لازالت الأم التي ترتبط بأبنائها بهذه العلاقة الوثيقة فتعمل و تضحي لأجلهم، و ترتبط بالرجل بحبٍ و احترام فتصونه و تقدم نفسها له على أنها كائنٌ ضعيف مهما بلغت من القوة بعيدا عنه، فللمرأة العربية أسلوب يتسم بالعاطفة الجياشة تجاه من حولها و تحضرها لا يتنافى مع انتمائها و ثوابتها.

و يصعب حصر الأسماء التي وردت للنساء العربيات الرائدات  في جميع مجالات الحياة و مهما ذكرنا فها هي فاطمة الفهري ذات الصيت الذائع عالميا كمؤسسة أول جامعةٍ في العالم و هي الجامعة القرويين في المغرب، فاطمة وأختها استغلّتا الثروة الطائلة التي ورثتاها من والدهما في تأسيس صرح تعليمي هو الأول من نوعه في العالم بالإضافة إلى مسجد. وعلَمت هذه الجامعة مختلف أنواع العلوم بين فقه اللاهوتي  و الإسلامي.

كما كانت تدرس الطب، الفيزياء، التاريخ، الكيمياء، الجغرافيا، الرياضيات، العلوم الطبيعية واللغة الأجنبية والموسيقى.

و من سوريا تظهر شادية رفاعي حبال و هي عالمة فلك وفيزياء سورية أمريكية. وهي بروفسورة فيزياء الفضاء في جامعة ويلز في بريطانيا. وترأس تحرير المجلة الدولية الخاصة بفيزياء الفضاء. ساهمت في إعداد أول رحلة لمركبة فضائية إلى الهالة الشمسية وفي تصميم كائنات آلية للاستكشافات الفضائية .تتمحور أبحاثها التي أصدرت ضجة في الغرب حول استكشاف مصدر الرياح الشمسية حيث اعتبرت من الأبحاث الثورية والتي ستحدث تغيراً كبيراً في هذا الكون. أصدرت 60 ورقة بحث لمجلات التحكيم العلمية كما أنها شاركت بثلاثين بحثاً في المؤتمرات العلمية. و من الإمارت يلمع اسم مريم مطر

و هي أول إماراتية تشغل منصب وكيل وزارة الصحة العامة والرعاية في دولة الإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى الكثير من المناصب الأخرى. أسست جمعيتان غير ربحيتين وهما ” جمعية الإمارات لمتلازمة داون و جمعية الإمارات للأمراض الجينية ” . دخلت الدكتورة مريم مطر لائحة أكثر (20) امرأة تأثيرًا في حقل العلوم في العالم الإسلامي، وذلك لإنجازاتها في مجال العلوم و إجراء البحوث العلمية خاصة المتعلقة بمرض “الثلاسيميا” الذي يشكل واحد من أكثر الأمراض المنتشرة في دولة الإمارات. و اختيرت مؤخراً من قبل جامعة الدول العربية كسفيرة النوايا الحسنة للمرأة والطفل. و حين نتكلم عن النساء الرائدات فلا بدّ أن نعرج على فلسطين و ابنة فلسطين سها القيشاوي و هي المهندسة  المسؤولة عن البرنامج الفضائي للولايات المتحدة حيث أنها تعمل ككبيرة لمهندسي البرمجيات، و هي مسؤولة عن تكامل البرمجيات مع الهاردوير وعن فحصها المستمر من أجل التأكد من أنّ الحاسب على المركبة الفضائية يعمل كما هو متوقّع في الجيل التالي من المركبات الفضائية الأمريكيّة في وكالة ناسا. ولدت سها في قطاع غزة و تابعت دراستها إلى في جامعة هيوستن في كلير ليك في مجال الهندسة. وبعد التخرج مباشرةً، بدأت العمل في برنامج المكوك الفضائيّ، و القائمة تطول لتشمل الأديبات العربيات أمثال غادة السمان و مي زيادة و سعاد الصباح و أحلام مستغانمي و فدوى طوقان و رضوى عاشور.

نساء عربيات مناضلات :

مهما بلغت التضحيات فلن تكون كتضحية الإنسان بروحه في سبيل حرية الأرض، و قد تعرضت المنطقة العربية بمجملها لأنواع من الاستعمار و الاحتلال و لم تقف المرأة العربية مكتوفة الأيدي إزاء ما تعرضت له البلاد فكانت و لازالت تدافع عن أرضها ببسالة و قد خلّد التاريخ أسماء كثيراتٍ ممن وقفن بوجه الاحتلال أمثال ليلى خالد و دلال المغربي و سناء محيدلي و لويزا احريز و جميلة بوحيرد و غيرهنّ كثر.

و بهذا فإن المرأة العربية أثبتت على مر العصور أنها تتفرّدُ بالكثير من السمات التي تميزها عن غيرها فهي المرأة المناضلة لأجل أبنائها و أرضها و عشقها و علمها و حقوقها لتكون بذلك أيقونةَ حياة.

خلود قدورة

اقرأ ايضا

فاطمة المرنيسي امرأةٌ تكسر القيود

إنّ بعض الأزمنةِ تكون مدموغةً بالصمت، و بعض المجتمعات تكون مكبلةً بقيودٍ تلجمُ فيها حراكا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *