fbpx
الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / المراة / فدوى طوقان امرأةٌ من وطنٍ و شعر

فدوى طوقان امرأةٌ من وطنٍ و شعر

لكلّ امرأةٍ في هذا الوجود ما يجعلها تتميز عن سواها، لكن هناك نساءٌ يتجاوزن حدود التميز، و يصلن بصفاتهن الجميلة لكرسي الشمس فيتربعن عليه، فها هي فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية التي تمردت على كل القيود لتصدح بكلماتها لأجل وطنها في زمنٍ صمت فيه الرجال.

من هي فدوى طوقان؟

ولدت فدوى طوقان في مدينة نابلس، وتلقت تعليمها حتى المرحلة الإبتدائية، حيث اعتبرت عائلتها مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرًا غير مقبول، فتركت مقاعد الدراسة واستمرت في تثقيف نفسها بنفسها، ثم درست على يد أخيها شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان، الذي نمى مواهبها ووجهها نحو كتابة الشعر، كما شجعها على نشره في العديد من الصحف العربية، وأسماها “أم تمّام”. ثم أسماها محمود درويش لاحقاً “أم الشعر الفلسطيني”.

ومع أنها وقّعت قصائدها الأولى باسم “دنانير”، وهو اسم جارية، إلا أن أحب أسمائها المستعارة إلى قلبها كان “المطوّقة” لأنه يتضمن إشارة مزدوجة، بل تورية فصيحة إلى حال الشاعرة بالتحديد. فالمطوقة تعني انتسابها إلى عائلة طوقان المعروفة، وترمز، في الوقت نفسه، إلى أحوالها في مجتمع تقليدي غير رحيم.

وقد توالت النكبات في حياة فدوى طوقان بعدما توفي والدها ثم أخوها ومعلمها إبراهيم، وأعقب ذلك إحتلال فلسطين إبان نكبة 1948، وقد تركت تلك المآسي المتلاحقة أثرها الواضح في نفسية فدوى طوقان كما يتبين من شعرها في ديوانها الأول وحدي مع الأيام. وفي الوقت نفسه فان ذلك دفع فدوى طوقان إلى المشاركة في الحياة السياسية خلال الخمسينيات من القرن الماضي.

سافرت فدوى طوقان إلى لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي، وأقامت هناك سنتين، وفتحت لها هذه الإقامة آفاقًا معرفية وإنسانية حيث جعلتها على تماسٍّ مع منجزات الحضارة الأوروبيّة الحديثة.

وبعد نكسة حزيران 1967، خرجت من قوقعتها لتشارك في الحياة العامة في نابلس، فبدأت بحضور المؤتمرات واللقاءات والندوات التي كان يعقدها الشعراء الفلسطينيون البارزون من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران وإميل حبيبي وغيرهم.

وفي مساء السبت الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 2003 ودعت فدوى طوقان الدنيا عن عمر يناهز السادسة والثمانين عامًا قضتها مناضلة بكلماتها وأشعارها في سبيل حرية فلسطين، وكُتب على قبرها قصيدتها المشهورة:

كفاني أموت عليها وأدفن فيها

وتحت ثراها أذوب وأفنى

وأبعث عشبًا على أرضها 

وأبعث زهرة إليها

تعبث بها كف طفل نمته بلادي

كفاني أظل بحضن بلادي

ترابًا،‌ وعشبًا، وزهرة. …

ولعلَّ فرادة فدوى طوقان إنها كانت الأكثر جرأة على الذات، والأكثر إندفاعًا في البوح والإعتراف، ويكاد لا يجاريها في هذا المضمار إلا الأديبة السورية غادة السمان. وقد اقتحمت فدوى هذا الحقل المزروع بالألغام بجرأة مدهشة في مجتمع ذكوري محافظ. ولم تتورع عن كتابة سيرة حياتها الخلابة في جزءين: «رحلة جبلية رحلة صعبة» و«الرحلة الأصعب»[5]. ولعلَّ هذه السيرة تُعد من أجمل كتب البوح والإعتراف التي نُشرت في العقدين الأخيرين، ولا ينافسها في ذلك إلا «الخبز الحافي» لمحمد شكري و«خارج المكان» لإدوارد سعيد. ولعلَّ جرأتها تكمن هنا بالتحديد، أي في مصادمتها ذكورية المجتمع النابلسي من خلال اعترافاتها التي كشفت فيها حياتها الغرامية على الرغم من انها أخفت الكثير من الجوانب المهمة والحيوية في رحلتها الصعبة، فقد وثق الناقد الناقد المصري رجاء النقاش في كتاب ظهر في أواسط السبعينات قصة حب قال أنها جمعت بين فدوى طوقان والناقد المصري أنور المعداوي ولكن عن طريق الرسائل فقط، ما يعيد إلى الذاكرة قصة مي زيادة وحبها لجبران خليل جبران.

فدوى طوقان المتمردة :

لقد مثلت فدوى طوقان في قصائدها الفتاة التي تعيش في مجتمع تحكمه التقاليد والعادات الظالمة، فقد منعت من إكمال تعليمها ومن إبراز مواهبها الأدبية ومن المشاركة في الحياة العامة للشعراء والمثقفين ومنعت من الزواج، كل ذلك ترك أثره الواضح في شعر فدوى طوقان بلا شك وجعلها تدعو في كثير من قصائدها إلى تحرر المرأة وإعطائها حقوقها واحترام مواهبها وإبداعاتها، مما جعلها محط احترام وتقدير غيرها من الأديبات اللاتي شاركنها نفس الفكر، فتقول عنها وداد السكاكيني: ” لقد حملت فدوى طوقان رسالة الشعر النسوي في جيلنا المعاصر يمكنها من ذلك تضلعها في الفصحى وتمرسها بالبيان وهي لا تردد شعرا مصنوعا تفوح منه رائحة الترجمة والاقتباس وإن لها لأمداً بعيداً هي منطلقة نحوه وقد انشق أمامها الطريق.

لقد كانت الرزايا تتقاذف روحها الشاعرة فمن النكبة الفلسطينية إلى وفاة شقيقيها ابراهيم و نمر، و أخيرا نكسة حزيران عام 1967 لكن مصائبها كانت مولدا للإبداع فأصدرت العديد من الكتب و حصدت الكثير من الجوائز، لتكون فدوى  من النساء اللواتي اختارهنّ التاريخ ليعلقها عقدا في جيده، فهي المرأة التي تحدت المجتمع و جعلت من حرفها سلاحا يواجه العدو المستعمر بكل جرأةٍ و بسالة فهي امرأةٌ من وطنٍ و شعر.

خلود قدورة

اقرأ ايضا

فاطمة المرنيسي امرأةٌ تكسر القيود

إنّ بعض الأزمنةِ تكون مدموغةً بالصمت، و بعض المجتمعات تكون مكبلةً بقيودٍ تلجمُ فيها حراكا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *